السبت , يونيو 27 2026
الرئيسية / اراء / كيف ارتدت حرب أشباه الموصلات الأمريكية عكسياً؟

كيف ارتدت حرب أشباه الموصلات الأمريكية عكسياً؟

جاسم العزاوي*
هناك مثل صيني قديم كان يجدر بإستراتيجيي واشنطن أن يتذكروه: “عندما تطلق سهم الانتقام، احفر قبرين”. لكنهم لم يستمعوا. والآن، نحن نشهد أضخم ارتداد اقتصادي عكسي في التاريخ الحديث.
قبل ثلاث سنوات، أطلقت الولايات المتحدة ما سماه مهندسوها “الخيار النووي” ضد الصين؛ حيث حظروا تصدير أشباه الموصلات المتقدمة، ومنعوا الآلات التي تصنعها، وقالوا لبكين: مستقبلكم التكنولوجي ينتهي هنا. وفي أروقة البنتاغون، ساد احتفال صامت، فقد كان التفكير مغرياً في بساطته: دون الرقائق الأمريكية، ستموت ثورة الذكاء الاصطناعي في الصين، وسيركد اقتصادها، ويتخلف جيشها عن الركب.
اليوم، لم يعد الرؤساء التنفيذيون لعمالقة التكنولوجيا الأمريكيين يحتفلون بحزم حكومتهم، بل إنهم يهرعون إلى واشنطن حاملين رسالة ملحة ومذلة في آن واحد: العقوبات لم تقتل الصين، بل تقتلنا نحن.
كتب الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس أن “حياتنا هي ما تصنعه أفكارنا”. وفي هذه الحالة، كانت أفكار واشنطن غارقة في أمنيات واهية وخطيرة.
ولفهم حجم هذا الحساب الخاطئ، يتعين عليك استيعاب حقيقة هيكلية واحدة اختار صناع السياسات تجاهلها: إن نموذج أعمال “وادي السيليكون” لا يعتمد على الصين فحسب، بل هو، في جوانب حاسمة، مبني على الصين. شركات مثل “إنفيديا” (Nvidia) تستثمر المليارات سنوياً في البحث والتطوير، في حين تستأثر الصين بأكثر من نصف الإنتاج العالمي من أشباه الموصلات. وبالنسبة لـ “إنفيديا” وحدها، كانت الصين تمثل ما بين 20 إلى 30 بالمئة من إجمالي إيراداتها. وعندما حظرت إدارة بايدن بيع الرقائق المتقدمة لبكين، لم تكن تجرح منافساً فحسب، بل كانت فعلياً تصادر ثلاثين بالمئة من دخل وادي السيليكون وتضرم فيه النيران.
هذه الغطرسة ليست بلا سابقة. تذكروا الفشل الذريع والمذهل لعقوبات الطاقة الروسية؛ حين أقنعت أوروبا نفسها بأن قطع الغاز الروسي سيركّع موسكو. وبدلاً من ذلك، تحولت روسيا نحو الشرق، لتبيع للهند والصين، بينما نزفت المصانع الأوروبية تحت وطأة تكاليف طاقة لم تعد قادرة على تحملها. لقد استقر الألم في العاصمة الخطأ. والآن، تلعب واشنطن اللعبة ذاتها تماماً مع أشباه الموصلات، آملة على ما يبدو في الحصول على نتيجة مختلفة. هذه ليست استراتيجية ذكية، بل تكرار متهور.
لكن الكارثة الأعمق لا علاقة لها بخسائر الأرباح الربع سنوية، بل هي كارثة هيكلية، وقد تكون دائمية.
عندما تحرم قوة عظمى من الوصول إلى تكنولوجيا حيوية، فإنك لا تجبرها على الاستسلام، بل تجبرها على الابتكار. لقد أنشأت الولايات المتحدة ما قد يسميه الاقتصاديون “ترتيب القيود الذهبية”؛ فطالما كان بإمكان الصين شراء رقائق أمريكية عالية الجودة برخص وبتدفق موثوق، كان لدى بكين كل الحوافز للبقاء في حالة تبعية. والتبعية، إذا أُديرت بشكل صحيح، تشكل أداة ضغط وسيطرة دون مواجهة. لقد امتلكت واشنطن تلك السيطرة لعقود، واختارت تفجيرها بإعلان تنظيمي واحد.
اضطرت الصين إلى الإقلاع المفاجئ والقاسي. والإقلاع المفاجئ، بالنسبة لأمة تمتلك احتياطيات بكين الرأسمالية وتوجيهاتها الحكومية، لا يعني الانكفاء، بل يعني التعبئة.
والنتائج تظهر الآن بشكل أسرع مما توقعه أي شخص في واشنطن. فالشركات الصينية، بقيادة “هواوي” ومجموعة من مصانع السبك المدعومة من الدولة، حققت تقدمات في تصميم الرقائق المحلية وإنتاجها كان المحللون الغربيون، حتى عام 2022، يرون أنها على بُعد خمس إلى ثماني سنوات. لقد استيقظ العملاق النائم، لكن واشنطن هذه المرة هي من ضبطت المنبه.
لاحظ عالم النفس كارل يونغ أن “التفكير صعب، ولهذا السبب يصدر معظم الناس الأحكام بدلاً منه”. لقد كان حظر أشباه الموصلات بمثابة حكم متسرع جرى تغليفه في ثوب استراتيجية؛ فقد بدا حاسماً، وأظهر الصرامة، وأشبع رغبة سياسية محلية في مواجهة بكين. لكن ما كان ينقصه هو تحليل من الدرجة الثانية للسؤال الأكثر بداهة في علم الاقتصاد: ماذا يفعل اقتصاد تبلغ قيمته 17 تريليون دولار عندما تقطع عنه إمدادات مدخلات حيوية؟ إنه يبني مدخلاته الخاصة.
إن المأزق الذي تواجهه واشنطن الآن غير مريح على الإطلاق؛ إذ إن التراجع عن العقوبات سيُفسر، وبشكل صحيح، على أنه تراجع استراتيجي. أما الاستمرار فيها فيعجل بالكتفاء الذاتي الصيني الذي صُممت العقوبات لمنعه، في حين يستنزف الشركات الأمريكية التي تمول الجيل القادم من الابتكار. لا يوجد مخرج نظيف، بل مجرد إدارة لجرح لم يكن هناك داعٍ لإلحاقه بالنفس.
كتب الشاعر والفيلسوف الشهير جلال الدين الرومي: “كلما أصبحت أكثر هدوءاً، كلما تمكنت من السماع أكثر”. لو أصغت واشنطن بعناية أكبر لاقتصادييها، وتنفيذيي شركات الرقائق لديها، ومؤرخي سياسات العقوبات، لربما سمعت ما كان واضحاً بأثر رجعي: إن التبعية القسرية لا تنجح إلا عندما لا يملك الطرف التابع بديلاً موثوقاً. والصين كان لديها بديل دائماً، وكان يسمى: الحاجة.
إن أكبر خطأ استراتيجي في الحسابات في القرن الحادي والعشرين لم يُرتكب في بكين، بل ارتكبه في واشنطن مسؤولون خلطوا بين العقاب والقوة، ونسوا أن الإمبراطوريات التي تملي الشروط يجب أن تتأكد أولاً من أنها ليست الطرف الذي يحتاج إلى هذه الصفقة.
لقد أُطلق السهم، والقبران يُحفران الآن.
*كاتب واعلامي عراقي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الاتفاق مع الكيان.. إعلان حربٍ شاملةٍ على المقاومة!

د. نسيب حطيط* يشكّل إعلان الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي برعايةٍ أمريكية، نقطة تحولٍ خطيرة في الحرب على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *