السبت , يونيو 27 2026
الرئيسية / اراء / معركة كسر مشروع “إسرائيل الكبرى” تبدأ من لبنان!

معركة كسر مشروع “إسرائيل الكبرى” تبدأ من لبنان!

نجاح محمد علي*
شكّلت حرب الـ12 يومًا التي اندلعت العام الماضي نقطة تحول حاسمة في مسار الصراع الإقليمي، وكانت بداية عملية لتنفيذ مخطط تغيير النظام ورسم خارطة للمنطقة تختفي منها دول وتتشكل دول أخرى تحت قيادة (إسرائيل الكبرى: من النيل إلى الفرات).
لم تكن هذه الحرب مواجهة عسكرية محدودة مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، فقد كانت كما هو واضح تجسيدًا لمشروع استراتيجي أوسع يستهدف إعادة صياغة موازين القوة في المنطقة برمتها لصالح الكيان الصهيوني والهيمنة الغربية. من هذا المنظور، تتضح طبيعة الحرب بعد أن تكررت بشدة أكبر وبدأت هذه المرة في فبراير الماضي باغتيال الإمام الشهيد السيد علي خامنئي ونحو أربعين من قادة النظام، بوصفها حربًا وجودية، لا تكتمل أهدافها الاستراتيجية إلا بإحداث تحول جذري في بنية التحالفات القائمة، وعلى رأسها التحالف الذي يجمع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني مع عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، ويمتد تأثيره إلى العراق (وسوريا في مرحلة لاحقة) كمتغير مركزي في المعادلة الإقليمية.
تكمن الطبيعة الوجودية لهذه الحرب في أنها لا تستهدف فقط تقويض القدرات العسكرية أو النووية، بل تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية داخل إيران وفي محيطها. وقد أظهرت الحرب، رغم الخسائر التكتيكية، قدرة إيران على الحفاظ على تماسكها الداخلي وتعزيز شرعيتها الرمزية، مما حال دون تحقيق الهدف المركزي المتمثل في إحداث انهيار أو انقسام داخلي. غير أن استمرار هذا الصراع الوجودي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود تحالف إقليمي واسع يوفر الغطاء السياسي واللوجستي والمالي لاستمرار الضغط على إيران ومحور المقاومة. فطالما بقي هذا التحالف متماسكًا، تظل إمكانية تجدد المواجهة أو توسيع أدواتها قائمة، سواء عبر الضغوط الاقتصادية أو الحرب الإعلامية أو استثمار الانقسامات الداخلية.
في أعقاب توقف الحرب رسميًا بإبرام مذكرة تفاهم خسر فيها الأمريكيون وحلفاؤهم الكثير لصالح إيران وحلفائها، جاءت جولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لتؤكد هذا التوجه. فقد أسفرت اللقاءات والبيانات المشتركة مع دول مجلس التعاون عن صياغة مواقف تتقاطع إلى حد كبير مع الأولويات الأمريكية والصهيونية، من تكرار نبرة التشديد على مواجهة النفوذ الإيراني إلى الدعوة لضبط البرنامج الصاروخي ونزع سلاح القوى الحليفة لإيران في غزة ولبنان والعراق.
وبلغت هذه التحركات ذروتها في لبنان بعد اتفاق لبنان مع الكيان الصهيوني برعاية ماركو روبيو نفسه، حيث تضمن الاتفاق الإطاري بندًا يعطي الحق لحكومة ورئيس لبنان في طلب تدخل أي دولة عربية لمساعدة الدولة اللبنانية ضد حزب الله، وبدعم أمريكي مباشر. هذه التحركات تمثل محاولة يائسة لإعادة ترميم شبكة التحالفات بعد أن أثبتت الحرب محدودية الردع التقليدي، وتجعل من لبنان نموذجًا لما يُخطط له في المنطقة.
ويأتي العراق هنا كحلقة وصل حاسمة، إذ يشكل ساحة تنافس مباشر بين النفوذ الإيراني والضغوط الأمريكية-الصهيونية الرامية إلى إضعاف التنسيق بين بغداد وطهران.
من هذا المنظور، فإن الحرب الوجودية التي بدأت عسكريًا تستمر الآن بأدوات سياسية ودبلوماسية، ولا يمكن أن تصل إلى مرحلة التحول الاستراتيجي النهائي ما لم يحدث تفكك في بنية هذا التحالف. التفكك هنا ليس حدثًا مفاجئًا، إنه عملية تدريجية قد تتسارع أو تتباطأ حسب نتائج المرحلة المقبلة، وتحديدًا مرحلة المفاوضات التي من المتوقع أن تتبع إبرام مذكرة التفاهم المتعلقة بإعادة إعمار إيران. فنجاح إيران في هذه المفاوضات، وفي استثمارها لإحداث شروخ في التحالف، يمثل المتغير الحاسم الذي قد يعيد رسم الخارطة الجيوسياسية في منطقة الخليج الفارسي لصالح توازن جديد.
كيف يمكن لإيران أن تنجح في دفع عملية التفكك هذه؟ يمكن رصد عدة مسارات مترابطة تعتمد على الاستفادة من المتغيرات التي أفرزتها الحرب ومن الواقع البراغماتي لدول المنطقة:
أولاً، يشكل ملف إعادة الإعمار والبند المالي المرتبط به (الذي يُشار إليه بـ300 مليار دولار) أداة نفوذ اقتصادي محتملة. فبعض دول مجلس التعاون باتت تنظر إلى الاستقرار الإقليمي من منظور تكلفة-منفعة، وتدرك أن استمرار التوتر يحمل كلفة أمنية واقتصادية مباشرة عليها.
ثانيًا، يتطلب الأمر تعزيز التواصل الدبلوماسي المباشر مع الدول الأكثر براغماتية في مجلس التعاون، مع التركيز على ضمانات أمنية متبادلة وآليات لخفض التصعيد.
ثالثًا، يمثل العراق متغيرًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. تعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي مع بغداد، مع احترام سيادتها والنأي بالنفس عن قوى ثبت فسادها وانصياعها للإملاءات الأمريكية، قد يشكل عاملًا مثبطًا لمحاولات إعادة دمج العراق في محور مضاد.
رابعًا، استثمار الشرعية الرمزية التي اكتسبتها إيران بعد الحرب، وانبهار الشعوب بمقاومتها الأسطورية، يمكن تحويله إلى نفوذ ناعم يؤثر على الرأي العام ويضغط على الحكومات.
خامسًا، استمرار تعزيز الردع الصلب الذي أثبتته الحرب يجعل خيار الاصطفاف الكامل مع المحور الأمريكي-الصهيوني أكثر تكلفة.
في المحصلة ، فإن الحرب الوجودية التي بدأت العام الماضي لن تصل إلى مرحلة التحول النهائي لصالح إيران ما دام التحالف الإقليمي متماسكًا. غير أن المرحلة المقبلة، المتمثلة في المفاوضات التي تلي إبرام مذكرة التفاهم، تمثل فرصة تأريخية قد تؤدي إلى تفكك تدريجي في هذا التحالف. والمعادلة واضحة: استمرار التحالف يعني استمرار الحرب الوجودية بأشكال مختلفة، وتفككه — خاصة بعد ما حدث في لبنان — يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي النسبي، ويجهض المحاولة الأمريكية لترجمة المذكرة إلى “مسار لبناني” تنفيذي عبر حكومة يصفها اللبنانيون بـ”حكومة الآخرين”.
*كاتب وباحث مختص في الشؤون الإيرانية والإقليمية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

كيف ارتدت حرب أشباه الموصلات الأمريكية عكسياً؟

جاسم العزاوي* هناك مثل صيني قديم كان يجدر بإستراتيجيي واشنطن أن يتذكروه: “عندما تطلق سهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *