الإثنين , يونيو 29 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / كوريا الشمالية .. القوة النووية بين المظلة الأمريكية والدعم الصيني!

كوريا الشمالية .. القوة النووية بين المظلة الأمريكية والدعم الصيني!

د. وائل عوّاد*
تُعد شبه الجزيرة الكورية واحدة من أكثر مناطق العالم عسكرةً، لكنها تقوم على معادلة ردع غير متكافئة تجمع بين التفوق النووي والتفوق التكنولوجي. فبينما تمتلك كوريا الشمالية ترسانة نووية وصاروخية متنامية تجعلها قوة ردع يصعب تجاهلها، تتمتع كوريا الجنوبية بجيش أكثر تطوراً وحداثة، مدعوماً بتحالف عسكري وثيق مع الولايات المتحدة ومظلتها النووية. وفي المقابل، تمثل الصين الضامن الاستراتيجي الأبرز لبقاء النظام في بيونغ يانغ، انطلاقاً من حرصها على منع انهيار الدولة الكورية الشمالية وتحولها إلى ساحة نفوذ أمريكي على حدودها. ونتيجة لذلك، لم تعد أي مواجهة محتملة بين الكوريتين شأناً محلياً، بل أزمة إقليمية ودولية تتشابك فيها حسابات الردع النووي والتنافس الأمريكي–الصيني.
وفي تصعيد جديد للخطاب العسكري، دعا الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى تطوير القدرات الهجومية للقوات البحرية، معلناً أن بناء المدمرات والسفن الحربية الأكبر والأكثر تطوراً سيصبح سياسة سنوية للدولة. ويعكس هذا الإعلان تحولاً في العقيدة العسكرية الكورية الشمالية، التي لم تعد تكتفي بتعزيز قدراتها البرية والصاروخية، بل تسعى إلى بناء قوة بحرية هجومية قادرة على دعم الردع النووي وإبراز النفوذ العسكري في البحار المحيطة بشبه الجزيرة الكورية.
ويحمل إشراف كيم جونغ أون شخصياً على تجارب منظومات صاروخية متطورة دلالات عسكرية وسياسية واستراتيجية تتجاوز مجرد اختبار تقني للأسلحة. فهو يؤكد أولاً أن برامج التسلح تحظى بأعلى مستويات الاهتمام السياسي، وأن القيادة تتابع بنفسها تطوير القدرات القتالية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. كما يبعث برسالة ردع واضحة إلى الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان بأن بيونغ يانغ تمتلك قدرات هجومية متطورة قادرة على استهداف أهداف بحرية وبرية، بما يعزز مصداقية ردعها العسكري.
وتشير هذه التجارب أيضاً إلى انتقال كوريا الشمالية من مرحلة زيادة عدد الصواريخ إلى مرحلة التحديث النوعي، عبر تطوير منظومات أكثر دقة وفتكاً تشمل الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وصواريخ كروز، والأسلحة البحرية القادرة على حمل رؤوس تقليدية أو نووية. كما تؤكد أن بيونغ يانغ تعمل على بناء قوة بحرية متكاملة تدعم استراتيجية “القوة البحرية النووية”، بدلاً من الاعتماد على الردع البري التقليدي وحده.
وعلى الصعيد السياسي، تحمل هذه الخطوات رسالة واضحة إلى الخارج مفادها أن العقوبات الدولية والضغوط السياسية لم تنجح في وقف برامج التسلح الكورية الشمالية، وأن الدولة مستمرة في تطوير قدراتها العسكرية رغم العزلة الدولية. أما داخلياً، فإن الظهور المتكرر للزعيم وهو يشرف على التجارب العسكرية يعزز صورته باعتباره القائد الأعلى القادر على حماية البلاد وضمان أمنها، وهو عنصر أساسي في شرعية النظام.
ولم يقتصر التحول في العقيدة العسكرية على تدشين مدمرات جديدة وإجراء تجارب على أسلحة صاروخية متطورة، بل امتد إلى الإعلان عن مرحلة أكثر طموحاً في بناء القوة البحرية. فقد كشف كيم جونغ أون عن تسريع تنفيذ خطة لبناء طراد استراتيجي مزود بصواريخ موجهة تبلغ حمولته عشرة آلاف طن، في خطوة تعكس توجه بيونغ يانغ نحو امتلاك أسطول بحري قادر على تنفيذ عمليات بعيدة المدى وتعزيز الردع النووي من البحر، بما يتجاوز المفهوم التقليدي للدفاع الساحلي.
وتبرر كوريا الشمالية هذا التوسع العسكري بأنه يأتي رداً على ما تصفه بـ”التصعيد العدائي” للتحالف العسكري بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. فبحسب الرواية الرسمية، فإن توسيع المناورات العسكرية المشتركة، وتحديث القدرات القتالية، وتعزيز التنسيق النووي بين واشنطن وسيول، فرض على بيونغ يانغ تسريع برامجها الدفاعية والهجومية على حد سواء.
وفي هذا السياق، شنت وسائل الإعلام الرسمية هجوماً على المجموعة الاستشارية النووية التي أنشأتها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية عام 2023، معتبرة أنها ليست مجرد آلية للتشاور، بل إطاراً لتنسيق التخطيط النووي ووضع سيناريوهات مفصلة لحرب محتملة ضد كوريا الشمالية، تشمل أنماط العمليات، وتسلسل المهام، والتدريبات المشتركة. كما انتقدت بشدة المساعي الكورية الجنوبية لامتلاك غواصات تعمل بالطاقة النووية، واعتبرتها خطوة من شأنها الإخلال بالتوازن العسكري ودفع شبه الجزيرة الكورية نحو مزيد من التصعيد.
ومن منظور استراتيجي، تكشف هذه التطورات أن سباق التسلح في شبه الجزيرة الكورية لم يعد يقتصر على تطوير الصواريخ النووية، بل دخل مرحلة جديدة عنوانها المنافسة البحرية. فبينما تسعى كوريا الشمالية إلى بناء قوة بحرية هجومية قادرة على تعزيز الردع النووي وإبراز حضورها في البحار، تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها على توسيع منظومات الردع المشتركة وتعزيز التكامل العسكري لمواجهة بيونغ يانغ. ونتيجة لذلك، باتت المنطقة أمام سباق تسلح متعدد الأبعاد، يتداخل فيه التفوق البحري مع الردع النووي، في ظل احتدام التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، الأمر الذي يجعل شبه الجزيرة الكورية إحدى أكثر بؤر التوتر حساسية في النظام الدولي.
وتشير هذه التحولات إلى أن كوريا الشمالية تسعى إلى الانتقال من استراتيجية الردع النووي التقليدي إلى امتلاك قدرة هجومية متعددة المجالات (Multi-Domain Offensive Capability) تشمل البّر والبّحر والصّواريخ، بما يمنحها مرونة أكبر في إدارة أي مواجهة مستقبلية. كما تعكس رغبة بيونغ يانغ في فرض نفسها كقوة عسكرية لا يمكن تجاوزها في معادلات الأمن في شرق آسيا، واستخدام تطوير قدراتها العسكرية كورقة تفاوضية لتعزيز موقعها في أي مفاوضات مستقبلية مع الولايات المتحدة أو القوى الإقليمية.
ورغم ذلك، فإن ميزان القوى في شرق آسيا لا يقوم على التكافؤ العسكري، بل على توازن الردع. فكوريا الشمالية تعتمد على السلاح النووي والصواريخ الباليستية لضمان بقاء النظام ومنع أي محاولة لإسقاطه بالقوة، في حين تعتمد كوريا الجنوبية على تفوقها التكنولوجي والعسكري، مدعوماً بالمظلة النووية الأمريكية. أما الصين، فترى أن بقاء كوريا الشمالية يشكل حاجزاً استراتيجياً يمنع تمدد النفوذ الأمريكي إلى حدودها، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن يؤدي سلوك بيونغ يانغ إلى اندلاع حرب واسعة تهدد الاستقرار الإقليمي. ومن جانبها، تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء البرنامجين النووي والصاروخي الكوريين، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تتحول إلى صراع إقليمي يشمل الصين وربما قوى آسيوية أخرى.
وعليه، أصبحت كوريا الشمالية قوة نووية تفرض نفسها في معادلات الأمن الآسيوي، إلا أن امتلاكها للسلاح النووي لا يترجم إلى تفوق عسكري شامل. ففي المقابل، تمتلك كوريا الجنوبية قوات مسلحة أكثر تطوراً، واقتصاداً متقدماً، وتحالفاً دفاعياً مع أكبر قوة عسكرية في العالم، بما يجعل أي هجوم عليها مواجهة تتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية. ومن ثم، فإن الاستقرار في شرق آسيا لم يعد قائماً على توازن القدرات العسكرية فحسب، بل على شبكة معقدة من الردع النووي، والتحالفات الأمنية، والمصالح الاستراتيجية المتشابكة بين الولايات المتحدة والصين.
وفي ضوء التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يبدو أن المنطقة تتجه نحو سباق تسلح جديد متعدد المستويات، تقوده الولايات المتحدة عبر تعزيز تحالفاتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، في مواجهة صعود الصين وتنامي القدرات العسكرية لكوريا الشمالية. وبهذا المعنى، لم تعد شبه الجزيرة الكورية مجرد بؤرة نزاع إقليمي، بل تحولت إلى إحدى الساحات الرئيسية للتنافس على إعادة تشكيل موازين القوى في آسيا، وربما في النظام الدولي بأسره
كاتب صحفي مقيم في الهند-مستشار أول في مؤسسة تيليتوما للدراسات الاستراتيجية.

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل يمكن انهاء حزب الله…؟

إيڤاريتا جعفر* في التحليل الاجتماعي السياسي للمفكر علي شريعتي، ثمة تفكيك عميق لكيفية تحول الأفكار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *