اليمن الحرالاخباري/بيروت_أحمد موسى
ليست زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل تبدو أقرب إلى اختبار سياسي متعدد الأبعاد، يجري في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية. فمنذ التحولات التي شهدتها دمشق وسقوط معادلات حكم استمرت لعقود، لم تعد العلاقة السورية – اللبنانية محكومة بالآليات التقليدية التي عرفها البلدان، بل دخلت مرحلة إعادة تعريف كاملة، حيث تتقاطع الحسابات الداخلية مع الضغوط الدولية، وتفرض الملفات الأمنية والاقتصادية نفسها على طاولة البحث، فيما يبقى السؤال الأهم: هل تغيّرت قواعد اللعبة فعلاً، أم أن الأسلوب تبدّل فيما بقيت المصالح على حالها؟.
فالزيارة تأتي فيما تتغير هوية السلطة في دمشق، ويتغير معها خطاب الدولة السورية، وفي وقت يحاول لبنان الخروج من سنوات الانهيار والانقسام، ليجد نفسه أمام فرصة لإعادة بناء العلاقة مع الجار السوري وفق قواعد مختلفة تماماً عن تلك التي حكمت العقود الماضية.
لماذا الآن؟
السؤال الذي يطرحه المراقبون ليس من سيجتمع بالشيباني، بل لماذا اختارت دمشق هذا التوقيت تحديداً؟.
فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة ترتيب واسعة، من غزة إلى الجنوب اللبناني، ومن العقوبات إلى إعادة الإعمار، فيما تتحول سوريا تدريجياً من دولة منشغلة بأزماتها الداخلية إلى لاعب يسعى لاستعادة حضوره السياسي والدبلوماسي.
وفي المقابل، يحتاج لبنان إلى علاقة مستقرة مع دمشق لأسباب تتجاوز السياسة، تبدأ من الحدود والأمن، ولا تنتهي عند الاقتصاد، والطاقة، وملف النازحين، وحركة التجارة البرية التي تشكل شرياناً حيوياً للاقتصاد اللبناني.
لقاء بري… الرسالة الأبرز
قد يكون اللقاء مع رئيس مجلس النواب نبيه بري أكثر محطات الزيارة دلالة.
فهو أول لقاء يجمع أحد أركان السلطة السورية الجديدة بواحد من أبرز صناع القرار في لبنان، بما يعكس تحولاً واضحاً في طريقة مقاربة دمشق للداخل اللبناني.
فبدلاً من العلاقة التي كانت تقوم على قنوات سياسية محددة، يبدو أن سوريا الجديدة تحاول إرسال رسالة مفادها أنها تريد مخاطبة الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها، والتواصل مع مختلف القوى السياسية، بعيداً عن الاصطفافات التي طبعت العقود السابقة.
هل تغيّر السلوك السوري… أم تبدلت الأدوات؟
هذا هو السؤال الأكثر حساسية، فالقيادة السورية الجديدة تتحدث عن احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه، لكن ترجمة هذه العناوين لن تُقاس بالبيانات، بل بما سيحدث على الأرض.
فالملفات الثقيلة لا تزال كما هي:
ضبط الحدود، مكافحة التهريب، ترسيم الحدود، ملف النازحين، التعاون الأمني، الاتفاقيات الاقتصادية وإعادة تشغيل اللجان المشتركة.
وهي ملفات ستكون المعيار الحقيقي للحكم على جدية التحول في العلاقات الثنائية.
لبنان أيضاً أمام اختبار
كما أن دمشق تخضع للاختبار، فإن الدولة اللبنانية بدورها أمام امتحان لا يقل أهمية.
فهل تستطيع إدارة العلاقة مع سوريا بمنطق الدولة والمؤسسات، بعيداً عن الانقسامات الداخلية التي لطالما انعكست على هذا الملف؟.
وهل تنجح في تحويل الجغرافيا المشتركة إلى فرصة اقتصادية، بدلاً من أن تبقى مصدر أزمات سياسية وأمنية؟.
الإقليم يفرض إيقاعه
لا يمكن فصل الزيارة عن المشهد الإقليمي. فالمنطقة تشهد إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى، فيما تتقدم مشاريع اقتصادية وأمنية جديدة، وتُفتح ملفات إعادة الإعمار والربط التجاري، ويعاد رسم أدوار العواصم المؤثرة.
وفي هذا السياق، تبدو بيروت ودمشق أمام فرصة نادرة لإعادة صياغة علاقتهما بما ينسجم مع المتغيرات الجديدة، بعيداً عن إرث الوصاية من جهة، وبعيداً أيضاً عن القطيعة التي أثبتت أنها لم تنتج حلولاً لأي من الطرفين.
هل تكون بداية صفحة جديدة؟
قد لا تخرج الزيارة باتفاقات كبرى، لكن أهميتها تكمن في أنها ترسم قواعد العلاقة المقبلة.
فإذا نجحت اللقاءات في الانتقال من تبادل الرسائل إلى إطلاق مسارات تنفيذية في الملفات العالقة، فإنها قد تؤسس لأول علاقة لبنانية – سورية منذ عقود تقوم على الندية، واحترام السيادة، والمصالح المشتركة، لا على موازين القوى.
أما إذا بقيت النتائج عند حدود المجاملات الدبلوماسية، فستبقى الزيارة مجرد محطة بروتوكولية في انتظار ظروف إقليمية أكثر نضجاً.
تبدلات الماضي ومتغيرات الحاضر ورسم المستقبل
ليست زيارة أسعد الشيباني إلى بيروت حدثاً عادياً في روزنامة الدبلوماسية العربية، بل واحدة من أولى المحطات التي ستكشف كيف تريد دمشق الجديدة أن تعرّف نفسها أمام لبنان والمنطقة. وبين ذاكرة الماضي وضغوط الحاضر واستحقاقات المستقبل، ستحدد نتائج هذه الزيارة ما إذا كانت العلاقات بين البلدين تتجه فعلاً نحو شراكة متوازنة بين دولتين، أم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل طيّ صفحة من أكثر الملفات تعقيداً في المشرق.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر