الجمعة , مارس 20 2026
الرئيسية / اراء / قتامة العالم.. وقسوة الإنسان !

قتامة العالم.. وقسوة الإنسان !

فيصل مكرم*
كلما اتسعت متطلبات البشرية كان ذلك على حساب العدالة في تقاسم الثروات والفرص المتساوية
* * *
ما بال العالم يزدادُ قتامةً، وما بال الإنسان يزدادُ قسوة، يقولُ بعض الفلاسفة التحديثيين وعلماء النفس إن الإنسان هو ابن لبيئته، يتأثرُ ويؤثرُ بها، وهناك آخرون يضيفون: إن الإنسان محور الفعل في بيئته التي يكتسبُ منها سلوكياته وأفعاله وردود فعله حيال ما يدورُ من حوله، بالإضافة إلى قدرته على التأثير الإيجابي والسلبي واتخاذ القرار في الوقت المناسب كفعل استباقي والعكس صحيح، وهناك من يرى أن الإنسان هو ضحية للظروف التي يعيشها ويتعايش معها، وهي بالضرورة تتركُ ثأثيرها عليه وعلى صيرورة حياته في مختلف مراحلها، وفي كل الحضارات والحقب الإنسانية وجد الخير والشر معًا، وهذه سُنّة من سنن الخالق عز وجل في خلقه، وعندما أصبحت البشرية في ازدياد واتساع جغرافي تحولت إلى مجتمعات صغيرة بدائية، ثم تاليًا مجتمعات كبيرة ثم دول مترامية الأطراف ليتشكلَ العالم ويصبح على ما هو عليه اليوم بكل تنوعه وثرواته ولغاته وأديانه وحضاراته وثقافاته.

والحاصل أن عالم اليوم بكل ما يشهده من تطور مهول في كل مجالات الحياة يؤكدُ أن الإنسان حلَّق بعيدًا عن بيئته وتجاوز حضارات أسلافه بكل قساوتها وإخفاقاتها، ووصل إلى ما هو عليه اليوم بفارق زمني يقاسُ بآلاف السنين بفضل ما يتمتعُ به العقل البشري من قدرة تدفعُ به إلى خارج المألوف بدرجة أكثر تطورًا وتأثيرًا، وبالتالي ما يشهده عالم اليوم من تجاذبات وصراع بين الخير والشر إنما يأتي من بيئات وثقافات متوارثة رافقت العقل البشري بخيرها وشرورها كعلامة فارقة لطبيعة الإنسان في التعاطي مع من حوله، ذلك أن هذا الإنسان يبني ويعمر ويصنع ويزرع ويسافر في أرجاء الكوكب عبر وسائل حديثة مثل السيارات والطائرات والقطارات والسفن غير أنه لا يتردد في تلويث الطبيعة وهدم معالمها البيئية الطبيعية فيتوسع في ابتكاراته على حساب الرفاهية التي ابتكر عوامل وقواعد تحقيقها.

وهذا الإنسان الذي عَبَر الحقب التاريخية وتطور وتعايش مع بيئاته المختلفة نجحَ في التقدم عليها غير مستسلم لركودها، هو ذاته الإنسان الذي وصل بالحضارة الإنسانية إلى ما هي عليه اليوم من تقدم عمراني وصناعي وتكنولوجي ورفاهية مفرطة في كل مناحي الحياة، وهو الإنسان نفسه الذي يتسببُ في اندلاع الحروب وانتشار الأوبئة والآفات والجوائح والتلوث البيئي، ويخوضُ المنازعات والصراعات التي تجعلُ من الشعوب الإنسانية أممًا متناحرة متخلفة، ويمارسُ البطش والاستبداد اللذين يجعلان من الإنسان كائنًا بلا حقوق ولا تأثير ولا قيمة فاعلة في بيئته ومجتمعه، وهنا تكمنُ المفارقة في الهوة بين منجزات البشرية وضحاياها، والمسألة تبقى نسبية غير أنها خطيرة في تداعياتها لجهة معاناة الإنسان من هذا الزخم الفاحش لعصر النهضة المطلقة والعجز المطلق، فكلاهما بحاجة إلى توازن في المسارات، من منطلق العدالة الإنسانية ومقتضيات التعاليم السماوية والمثل الإنسانية بدافع حاجة المستفيدين إلى وجود ضحايا، والأمَرُّ هو أن يفرضَ عليك المستفيد من معاناتك القناعة بما أنت عليه دون أن يكونَ لك الحق في الوصول إلى ما هو عليه.

من هنا تتجلى قتامة العالم في مشهد الصراع الإنساني بين الخير والشر، ويتجلى الإنسان في قدرته على تجاوز بيئته وفي عجزه عن التخلي عن قسوته في التعاطي مع الحراك الحضاري بمسؤولية أكبر وضحايا أقل، وكلما اتسعت البشرية في متطلباتها كان ذلك على حساب العدالة في تقاسم الثروات والفرص المتساوية في سباق النهوض الحضاري، وكلما أبدع الإنسان في البناء والعمران وتجديد ثقافة التعايش الإنساني على هذا الكوكب، ظهر من يبعثرُ تلك المظاهر بظواهر مميتة بإشعال الحرائق وتفشي الفقر وتغييب العدالة وتجسيد الفوارق بين الطبقات البشرية فيصبح الأمل بحدوث الأفضل غدًا مرهونًا بما هو أسوأ اليوم.
نقلا عن جريدة الراية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حق الدفاع الشرعى!

د. عبدالله الأشعل* قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال الأسبوع الأول من ابريل 2024 بتدمير القنصلية …