تمارا برّو*
أثارت تصريحات رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو عن دور محتمل للهند في قتل زعيم بارز لطائفة السيخ، يحمل الجنسية الكندية، في ضاحية ساري التابعة لفانكوفر، أزمة دبلوماسية حادة بين أوتاوا ونيودلهي.
فبعد وقت قصير من تصريحات ترودو طردت كندا دبلوماسياً هندياً وصفته بأنه” يقود الاستخبارات الخارجية الهندية في كندا”. ومن جهتها نفت الهند أي علاقة لها في قتل الزعيم السيخي، هارديب سينغ نيجار، الذي صنفته “ارهابياً”، ووصفت مزاعم كندا بأنها “سخيفة ولها دوافع”. ورداً على طرد الدبلوماسي الهندي طردت الهند دبلوماسياً كندياً كبيراً وعلّقت منح التأشيرات للمواطنين الكنديين، وحثت رعاياها في كندا على توخي الحذر.
وعلى خلفية التوتر المتصاعد أرجأت كندا إرسال بعثتها التجارية التي كانت بصدد زيارة الهند الشهر المقبل، وعلّقت المفاوضات التي كانت تجري حول اتفاقية تجارة تفضي إلى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين والتي كان من المتوقع أن يتم الاتفاق عليها نهاية هذا العام.
وكان الزعيم السيخي هارديب نيجار رئيساً لمعبد كبير للسيخ في فانكوفر، ومن الداعين إلى إقامة دولة مستقلة للسيخ في ولاية البنجاب الهندية، ذات الأغلبية السيخية، تحت اسم ” خاليستان”. وكندا هي موطن لأكبر عدد من السيخ خارج الهند، إذ يوجد فيها 770.000 ألف سيخي، أي حوالي 2% من سكان كندا البالغ عددهم 39 مليون .
تدهورت العلاقات بين كندا والهند خلال السنوات الماضية بسبب مزاعم الهند بأن كندا عززت التعاطف مع حركة انفصالية للسيخ، واتهمت أوتاوا بالتقاعس عن التعامل مع ما قالت انه” التطرف الانفصالي السيخي” الذي يهدف إلى إنشاء وطن مستقل للسيخ في الهند وتعتبره نيودلهي تهديداً لأمنها القومي ، فيما تتهم كندا الهند بالتدخل في شؤونها الداخلية.
وزادت حدة التوترات بين البلدين العام الماضي عندما سمحت كندا للسيخ بإجراء استفتاء أطلق عليه” استفتاء خاليستان” للتعبير عن دعمهم لإقامة دولة قومية مستقلة للسيخ. ودافعت السلطات الكندية عن هذا النشاط مشددة على أنه مجرد ممارسة لحرية التعبير، بالمقابل اتهمت الهند كندا بالسماح لمتطرفين بتنفيذ عمليات ذات دوافع سياسية والتي ترفضها نيودلهي لأنها تشكل تهديداً لسلامتها.
ورغم الخلافات بين كندا والهند حول مسألة السيخ الكنديين، إلا أن الجانبين عملا على تعزيز علاقاتهما الاقتصادية والسياسية. فكندا ترى في الهند شريكاً مهماً في إطار استراتيجيتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ولا يمكن التغاضي عن التعاون معها، لاسيما أنها تصعد بسرعة كقوى إقليمية، ويتفق الجانبان على التصدي لتوسيع نفوذ الصين.
وإزاء الأجواء العاصفة بين كندا والهند، أعربت الولايات المتحدة الأميركية عن قلقها وحثت الهند على التعاون مع كندا وضمان المحاسبة في قضية الزعيم السيخي وذلك حسبما صرح به وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن. بينما ذهب مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سوليفان أبعد من ذلك إذ أكد أن الولايات المتحدة الأميركية ملتزمة بدعم التحقيق الذي تجريه كندا، وشدد على أنه لن يكون هناك “استثناء خاص” لمثل هذه التصرفات.
أثارت تصريحات المسؤولين الأميركيين غضب الهند، إذ انتقدت صحيفة “ذا تريبون” الهندية واشنطن، واعتبرت أن الأخيرة كشفت عن تحيزها ومعاييرها المزدوجة من خلال استهداف الهند.
كما أن ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز، من أن وكالات الاستخبارات الأميركية، قدمت لنظيراتها الكندية معلومات ساعدت على الاستنتاج بأن الهند متورطة في اغتيال الزعيم السيخي، من شأنه أن يضع واشنطن في موقف محرج أمام نيودلهي.
في اطار سعيها لتطويق الصين وصد نفوذها المتنامي تلجأ واشنطن إلى تعزيز علاقاتها مع نيودلهي التي ترى فيها شريكاً جيوسياسياً قادر على موازنة وترويض الصين ومواجهة تنامي نفوذها في بحر الصين الجنوبي، وهذا ما يفسر الاهتمام الكبير الذي حظي به رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي عندما زار البيت الأبيض خلال شهر حزيران/ يونيو الماضي، وأعلن بايدن بعد لقائه الزعيم الهندي عن حقبة جديدة في العلاقات الأميركية الهندية، وأيضاً مساعي واشنطن لانجاح قمة العشرين التي عقدت مؤخراً في نيودلهي وإصدار بيان ختامي للقمة، بعد المراهنة على فشلها بسبب تغيب الزعيمين الصيني والروسي.
ومن ناحية أخرى، تجنب بايدن اتهام الهند علناً بانتهاك حقوق الإنسان عندما التقى مودي في البيت الأبيض، على الرغم من الضغط الذي تعرض له من الكونغرس، إذ أرسل 75 مشرعاً أميركياً كتاباً خطياً لحث بايدن على اثارة قضايا حقوق الإنسان مع الزعيم الهندي، ومقاطعة بعض أعضاء مجلس النواب خطاب مودي أمام الكونغرس.
تستخدم واشنطن موضوع حقوق الإنسان في الهند كورقة ضغط على نيودلهي، فمثلاً في إبريل/ نيسان 2022 انتقد وزير الخارجية انتوني بلينكن الهند إذ قال أن الولايات المتحدة ترصد تزايداً في انتهاكات من بعض المسؤولين بالهند لحقوق الإنسان. لكن هذه الانتقادات كان لها دافع مختلف لا علاقة له بحقوق الإنسان، بل هو رد فعل واشنطن تجاه نيودلهي التي امتنعت عن فرض عقوبات على روسيا، وتوسعت في شراء النفط والغاز من موسكو مستفيدة من الأسعار المخفضة للطاقة الروسية.
ليس من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية أن تستمر الأزمة بين كندا والهند لأن ذلك سيعيق خططها الرامية إلى مواجهة النفوذ الصيني المتنامي، والعمل على بناء التحالفات والمحاور لتطويق الصين، لذلك من المرجح أن تدخل واشنطن على خط الأزمة بين أوتاوا ونيودلهي بهدف تخفيف التوتر دون أن تقف إلى جانب أي طرف حتى لا تضر بعلاقتها بأي منهما.
*باحثة في الشؤون الآسيوية والصينية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر