السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / العلاقات بين المغرب والكيان!

العلاقات بين المغرب والكيان!

كمال ازنيدر*
العلاقات المغربية الإسرائيلية هي ليست بالعلاقات الحديثة العهد. فهذه العلاقات كانت دائما قائمة منذ ستينيات وربما خمسينيات القرن الماضي ولم تعرف القطيعة يوما، لكنها كانت في معظم الأوقات علاقات ذات طابع سري، تمارس من قبل الخونة “أعداء الداخل” بعيدا عن أعين الحكام المغاربة ووزراءهم وكبار مسئوليهم المعروفين بمعاداتهم للصهيونية ورفضهم لإقامة علاقات مع المحتل الصهيوني.
فالمستعمر الفرنسي لم يقم بترحيل قواته ومختلف مصالحه الإدارية من المغرب إلا بعد أن تيقن من أنه زرع في مناصب القرار بداخل الإدارة المغربية ومختلف أجهزتها الأمنية والاستخباراتية عملاء له سيعملون على تضليل ملك البلاد وعرقلة مشاريعه التنموية وتوجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية وكذا الثقافية والدينية والتعليمية للمغرب وفقا للمصالح الإمبريالية الفرنسية. ناهيك عن محاربتهم للوطنيين من الموظفين والمسئولين المغاربة الذين يرفضون الفساد والمحسوبية والزبونية ويعملون على خدمة المصالح المغربية وتحقيق ازدهار المغرب ورفاهية الشعب المغربي.
هؤلاء العملاء كان تعاملهم الأساسي مع فرنسا. كانوا يتعاونون معها أمنيا واستخباراتيا. وكانوا كذلك يسهرون على منح الصفقات العمومية في مختلف المجالات (الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، العلمية، الفنية، الرياضية، العسكرية، الأمنية والمخابراتية) لشركات ومؤسسات فرنسية، مقابل رشاوى لا تحصى ولا تعد : تحويلات بنكية، شقق وأراضي، سيارات فاخرة، رحلات وأسفار، وامتيازات أخرى.
وفي إطار تعاملهم مع ولي نعمتهم “فرنسا”، كانوا بين الفينة والأخرى يتعاونون مع المسئولين الإسرائيليين بطلب من السلطات الفرنسية. فالنظام الإمبريالي الفرنسي والصهيوني الإسرائيلي كانت لهما أهداف مشتركة من بينها :
عرقلة نمو المغرب وبقية بلدان العالم الإسلامي ؛
خلق الفتنة بين مختلف الشعوب المسلمة ودفعها إلى مصارعة ومحاربة بعضها البعض ؛
استيلاب المسلمين فكريا وثقافيا بسياسات إعلامية تمكن من غربنة وصهينة المجتمعات الإسلامية وتسفيه وتخريب عقول ساكنتها ؛
تضبيع الشباب المسلم بنهج سياسات أمنية تسمح بانتشار المخدرات والعقاقير المهلوسة بداخل أوساطهم ؛
اضطهاد وتصفية اليساريين والإسلامويين الذين يروجون لأفكار تقدمية أو إصلاحية من شأنها النهوض بالعالم الإسلامي والخروج به من الظلمات إلى النور ؛
دعم التيارات الدينية الرجعية والإرهابية التي تسببت أفكارها ومعتقداتها في اندحار المجتمعات الإسلامية وما وصل إليه من تخلف وأزمة على جميع الأصعدة…
في شتنبر من عام 1965، قام قادة مختلف الدول العربية بالاجتماع وعقد لقاءات سرية بإحدى الفنادق الفاخمة بالعاصمة الاقتصادية المغربية “الدار البيضاء”. كانوا مرفوقين بكبار ضباطهم العسكريين ومسئوليهم الأمنيين والاستخباراتيين الذين ناقشوا معهم ترتيبات استعداداتهم للحرب ضد إسرائيل.
وبعد نهاية هذا اللقاء، قام عملاء فرنسا بمد المخابرات الإسرائيلية بتسجيلات النقاشات والحوارات التي دارت بين القادة والمسئولين العرب. ووفقا لما كشف عنه شلومو جازيت الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس قسم تقييم المعلومات في جيش الدفاع الإسرائيلي ‘تساهل”، لعبت هذه التسجيلات – ومعلومات قيمة أخرى سيتحصلون عليها من أعوانهم المغاربة – دورا محوريا كبيرا في انتصار القوات الإسرائيلية على الجيوش العربية خلال حرب الأيام الستة في عام 1967.
ووصف مائير عاميت، المدير العام للموساد للاستخبارات والمهام الخاصة في ذلك العهد، في مذكرة بعثها إلى ليفي أشكول “رئيس الوزراء لإسرائيل” آنذاك، هذا التعاون المخابراتي المغربي الإسرائيلي بأنه “واحدة من أعظم وأمجد إنجازات المخابرات الإسرائيلية”. فهذا التعاون المشترك بينهما لم يمكن فقط إسرائيل من الانتصار في حرب الستة أيام بل كذلك بفضله تمكنت من زرع الشقاق والانقسام في صفوف قادة الدول العربية الإسلامية وجعلتهم يشككون ببعضهم البعض.
وللإشارة هنا، تعاون خونة الداخل مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية تضررت منه كثيرا سمعة النظام المغربي الذي أصبح ينظر إليه من قبل بعض الأنظمة العربية والمنظمات التحررية الفلسطينية كخائن وعميل لقوى الصهيونية. قادة هذه الأنظمة والمنظمات أصبحوا يعدون الحسن الثاني عدوا لهم، وكان لموقفهم هذا انعكاسات سلبية خطيرة على القضية الصحراوية التي تبنوا بخصوصها مواقف وسياسات داعمة للبوليساريو ومعادية للوحدة الترابية المغربية.
وبالمقابل وكرد على المعلومات الثمينة المتحصل عليها من قبل النظام الإسرائيلي، قامت الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية بمد خونة المغرب بمعلومات حول تحركات وتنقلات المهدي بن بركة، المعروف بمعاداته للصهيونية والإمبريالية الغربية وكذا بوطنيته الشديدة وتعطشه القوي لرؤية المغرب دولة متقدمة ورائدة في كل المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، مكنتهم من اختطافه بباريس وقتله بمساعدة من المخابرات الفرنسية.
وبعد هذا بسنوات قليلة أشار هؤلاء العملاء على الحسن الثاني بقبول التصور الفرنسي لمنطقة شمال أفريقيا وبالتخلي عن رغبة المملكة المغربية في استعادة أراضيها الموريتانية والاعتراف بموريتانيا، وهو القرار الذي لم يتقبله الشارع المغربي والأحزاب الوطنية المغربية – وعلى رأسها حزب الاستقلال – والذي سيتسبب في حدوث انشقاقات داخلية بداخل صفوف القوات المسلحة الملكية نتج عنها محاولتين انقلابيتين : الأولى في عام 1971 والثانية في عام 1972.
كما أشاروا عليه فيما بعد بقبول مقترح فرنسا القاضي بتقسيم الأراضي الصحراوية بين المغرب وموريتانيا. وهو الأمر الذي لم يتقبله المقاومون الصحراويون الذين لم يكونوا في بداياتهم انفصاليين. فأعضاء جبهة البوليساريو لم تكن لهم في البداية أية نوايا انفصالية، بل كانوا أعضاء في منظمة مسلحة حاربت الاستعمار، يقودها صحراويون معروفون بولائهم التام والشديد للمغرب.
جميع هؤلاء الصحراويون كانوا أعضاء في “حركة تحرير الصحراء”، التي أنشأها وقادها محمد البصيري، الذي دافع عن الهوية المغربية للصحراء. لكن ما تم قبوله من قبل الحسن الثاني كان بمثابة صدمة لهم تسببت في قطع علاقاتهم بالمغرب. فبسبب هذا القبول، شعر المغاربة الصحراويون الذين تم التخلي عنهم لصالح موريتانيا بالإهانة والإذلال. كان هذا القرار بمثابة ضربة قاسية وخيانة كبرى بالنسبة لهم. وهؤلاء هم الذين شكلوا النواة الأولى لانفصاليي البوليساريو، الذين سيحملون السلاح لاستعادة أراضيهم وتحريرها من المغرب وموريتانيا وتوحيد وجمع شتات الصحراويين في دولة واحدة، الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
وفي عام 1984، قام هؤلاء العملاء بتضليل الحسن الثاني وأوهموه أن عملية بناء وتجهيز جدار الصحراء ستسهر عليها شركات فرنسية وأمريكية متخصصة في مجال الاستخبارات والصناعة العسكرية. لكن في واقع الأمر الشركات وخبراؤها العسكريون والاستخباراتيون لم يكونوا أمريكيين بل كانوا إسرائيليين حاملين لجنسيات مزدوجة أمريكية إسرائيلية. مقر شركاتهم الأصلي كان بإسرائيل ولعقد صفقات مع الأنظمة العربية التي تمنع قوانينها التعامل مع شركات ومؤسسات الكيان الصهيوني كانوا يخلقون شركات صورية أو وهمية حاملة لجنسيات غير إسرائيلية.
والأمر هذا لم يبقى منحصرا في صفقات بناء وتجهيز جدار الصحراء بل كذلك شمل فيما بعد – وربما حتى فيما قبل – صفقات عديدة في مجالات الصناعة العسكرية وتكنولوجيا المراقبة والتجسس وكذا مجالات أخرى كتقنيات الري وزراعة الأسمدة وتجارة الثمور، إلى آخره. فبواسطة الشركات الصورية أو الوهمية التي كانت تحدثها، تمكنت شركات ومؤسسات الكيان الصهيوني من الحصول على عقود صفقات عمومية بداخل المغرب وغيره من البلدان التي تمنع وتجرم التعامل مع الشركات والمؤسسات الإسرائيلية.
وفي التسعينيات كانوا هم المهندسون الأساسيون لإقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين المغرب وإسرائيل في عام 1996، كما كانوا قبل هذا التاريخ هم العقل المدبر والأيادي المسيرة لعلاقات مغربية إسرائيلية قوية لم تكن معلنة وكانت حبيسة السر. وبعد وفاة الحسن الثاني، شكلوا معارضة داخلية بداخل النظام المغربي عارضت قرار الملك الجديد بقطع العلاقات المغربية الإسرائيلية في عام 2000 واستمرت في نسج علاقة سرية متينة مع الكيان الصهيوني وفي تمكين شركاته الصورية أو الوهمية من الفوز بصفقات عمومية “خاصة في مجال تكنولوجيا التجسس” بداخل المغرب.
كما كانوا كذلك من بين أشد المعارضين لإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة وكل التوجهات والمخططات والمشاريع الإصلاحية التي كان يعتزم القيام بها الملك الجديد للنهوض بالمغرب والدفع به نحو الأمام. هذا الملك أعطى مجموعة من التوصيات والتعليمات، عرقلوا بلورتها على أرض الواقع. حتى في مجال حقوق الإنسان، أوصى بأن لا تتم متابعة المعارضين الذين يهاجمونه أو يسيئون إليه، لكنهم لم يحترموا تعليماته الملكية.
وفي عام 2011، لم يمتلكوا سلطة تشتيت مظاهرات حركة 20 فبراير بشكل مباشر، فأرسلوا لهم جماعات بلطجية ليرموهم بالبيض ويتربصوا بقياداتهم في الشارع. وعلى الإنترنيت، خلقوا تنظيمات افتراضية تستعمل العديد من الحسابات الوهمية والصفحات والمجموعات لمهاجمة المعارضين والمحتجين (حراك الريف، الطلبة والدكاترة المعطلين، المعلمين والأساتذة الرافضين للتعاقد، المضربين من طلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة، إلى آخره).
ومن السمات البارزة لجيوشهم الإلكترونية أو ذبابهم الإلكتروني بتعبير آخر :
الدفاع عن تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية ؛
الثناء على إسرائيل ووصفها بالحليف الاستراتيجي الذي مكن الجيش المغربي من سحق ميليشيات البوليساريو ؛
مهاجمة المدافعين عن القضية الفلسطينية ؛
شيطنة الشعب الفلسطيني واتهامه بالشعب المعادي للوحدة الترابية المغربية ؛
شيطنة التنظيمات المدافعة عن الشعب الفلسطيني – وعلى رأسها حزب فرنسا الأبية – واتهامها بدعم البوليساريو ؛
تكفير اليساريين ووصفهم بأعداء الأمة والدين ؛
اتهام المعارضين والمحتجين بخيانة الوطن وبالعمالة للجزائر ؛
استعمال ألفاظ قبيحة لشتم المعارضة ؛
ممارسة الترهيب في حق الحركات الاحتجاجية وتنظيمات المعارضة وتهديدهم بالسجن والتعذيب والقتل أو بسحب الجنسية المغربية منهم…
وهذه كلها سلوكيات همجية وإرهابية تذكرنا بالمغرب في عهد سنوات الجمر والرصاص وتؤكد صحة ما صرح به في عام 2013 الجنرال الإسرائيلي المتقاعد عاموس يادلين “الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (آمان)” بخصوص نجاح الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية في اختراق المغرب بشكل يجعلها قادرة على التأثير في قراراته وتوجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفقا لاحتياجات إسرائيل.
فالمغاربة – طبقاتهم الشعبية والحاكمة – شعب معادي للصهيونية مثله مثل باقي الشعوب المسلمة. فالمجتمعات السنية وكذا الشيعية هي مجتمعات لا تعترف بتاتا بالكيان الصهيوني. لكن إلى جانب هؤلاء، هناك بداخل المغرب وكذا ببقية البلدان الإسلامية، أشخاص ما هم لا سنيين ولا شيعيين، منهم من يشغل مناصب إدارية سامية تمنحه سلطات وصلاحيات واسعة تجعله قادرا على التأثير بشكل كبير في السير العام للمؤسسات العمومية بداخل بلده.
البعض من هؤلاء يدينون بديانات أو معتقدات غير إسلامية : منهم من هو يهودي، ومنهم من هو مسيحي، ملحد، ربوبي، لاأدري أو بودي. ومن بين هؤلاء المغاربة غير المسلمين، هناك من هم صهاينة وهناك من هم معادون للصهيونية كما منهم من هم معادون للإمبريالية الفرنسية والغربية بشكل عام ومنهم منهم موالين لهذه الإمبرياليات. إلى جانبهم، نجد مسلمين قرآنيين وأحرار، فيهم هم كذلك من هو معادي للصهيونية ومن هو مناصر لها ومن هو مناهض للامبريالية ومن هو خادم لها.
والبعض الآخر، مهرطقون مسلمون يؤمنون بمعتقدات وأفكار بعيدة كثيرا عن الأرثوذكسية الإسلامية (وجوب ثلاث صلوات في اليوم لا خمسة، اللغة الأصلية للقرآن هي الأرامية والنسخ العربية المتوفرة لدينا اليوم هي نسخ محرفة، نبي الإسلام عاش بالقدس وضواحيها ولم تطأ أقدامه الحجاز أبدا…)، صنعتها لوبيات الصهيونية بالغرب للدفاع عن الصهيونية بمرجعية وخلفية إسلامية. وهؤلاء يشكلون اليوم مع بعض الشخصيات السلفية التي تخدم أجندات الولايات المتحدة الأمريكية ما يمكن تسميته “الصهيونية الإسلامية”.
هؤلاء المهرطقون وبقية صهاينة المغرب هم في العموم أبناء وأقارب لوزراء وكبار مسئولين ورجال أعمال مغاربة. درسوا خارج المغرب، وبعد نهاية دراستهم تم توظيفهم بالإدارة المغربية في مناصب عليا غالبا بشكل مباشر بدون إجراء أي اختبار عمومي. بالخارج، تم تجنيدهم من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية. وبمجرد أن عادوا للمغرب، ورثوا مناصب أبائهم وأقاربهم. أداروا ظهورهم لفرنسا وفضلوا لوبيات الصهيونية التي تدفع لهم رشاوى قيمتها أكبر بكثير مما تدفعه عادة الشركات والمؤسسات الفرنسية. وهذا ما يفسر التصدعات التي عرفتها مؤخرا العلاقات المغربية الفرنسية.
قاموا مؤخرا بالتجسس على شخصيات فرنسية عديدة من بينها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكذا بالتجسس على مغاربة بالمهجر – وأيضا بالمغرب – معادين للصهيونية. وليس مستبعدا بالمرة، بل هذه هي الفرضية الأقرب للصواب، استعملوا تقنيات التجسس التي يمتلكونها للتجسس على الجناح المعادي للصهيونية بداخل الإدارة والحكومة المغربية وتجميع معلومات حول مختلف مكوناته تمكنهم من ابتزازهم وإجبارهم على قبول تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية… فمع هؤلاء الفيروسات القذرة، كل شيء خبيث ممكن.
*كاتب مغربي، باحث في الأداء السياسي والمؤسساتي، مقيم بفرنسا

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

شكرا جوارديولا !

رشيد بورقبة* أثار موقف المدرب الإسباني غوارديولا اعجاب العالم أمس بمدينة برشلونة وهو يدافع بشراسة …