الثلاثاء , مارس 3 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / مادورو-ترمب..نفط وصراخ ورقص!

مادورو-ترمب..نفط وصراخ ورقص!

د. لينا الطبال*
في فنزويلا … المقاومة هي إيقاع وعزف ورقص لا يتوقف: إيقاع “الجوروبو” الذي لا ينام.
أغاني ورقصة “الجوروبو” الشعبية هي سرد لبطولات “اللانيرو” (رجل السهل) الذي يمثل روح الاستقلال، والمواجهة العنيدة هو تجسيد للجدار الذي يُعاد رفعه بعد كل عاصفة و كل انهيار.في الأدب الفنزويلي لا توجد قصص عن الهزيمة، هناك حكايات عن رجال ونساء يبنون حياتهم كل يوم على رماد الأمس…
وكما يقول الأديب “أليخاندرو موراليس” في إحدى يومياته “حتى لو سحقوك، عليك أن تنهض وتبتسم، فالأرض لا تُورث، الأرض تُنتزع، والشعب أكثر ثباتا من أي تهديد”.
هذه هي الروح التي لا يفهمها الرجل الأشقر: إنه دونالد ترامب، يقف كتمثال من البرونز ولكنه متحرك ومهترئ. على رأسه طاقية حمراء تبدو أكبر من رأسه بثلاث درجات ونصف، مكتوب عليها بخط غليظ ومتفاخر شعاره الأجوف “لنَجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” عيناه نصف مغمضتين، كأنه لم يستفق بعد من كابوس، ووجهه احمر، يلوّح بحاملة طائرات، ويصرخ في وجه مادورو: “الرحيل أو الغزو”… هكذا تتجسد السياسة الأمريكية اليوم، تهديد بالحرب صادر عن تمثال منفوخ يظن أن قوة الصوت تحل محل قوة المنطق.
لكن أي صوت هذا الذي يظن أنه قادر على ترويض شعب كتب أجداده ملحمة بوليفار؟ شعب مرّ فوقه كل الجلادين: من الديكتاتوريات إلى الكولونيالية. شعب إذا خنقته بالعقوبات، يفتح نافذة. إذا كسرت اقتصاده، يُشعل موقدا صغيرا ليطبخ قرص “الاريبا” او الفاصوليا السوداء. هذا الشعب حتى إذا جررته إلى رصيف اللاجئين… يبتسم ويرفع الجدار من جديد، حجرا بعد حجر.
هذا ليس مقالاً عن دبلوماسية الدول، ولا عن سياساتها ولا عن لغتها الرسمية. هذا مقال عن لغة قطاع الطرق الذين يملكون حاملات طائرات، عن منطق رجل المافيا الذي يقتحم متجرك فجأة، يضع يده على كل شيء، ويمنحك خيارين فقط: إما أن تبيع المتجر بثمن بخس… أو تشاهد كل ما بنيته يحترق أمام عينيك.
هذا المنطق القذر الذي يمارسه ترامب في كاراكاس، وُلد في الشرق الأوسط… حين ظنّت الولايات المتحدة أن المقاومة يمكن تفكيكها وأن الشعب يمكن إقناعه بالتخلي عن أرضه مقابل ضمانات أمنية واقتصادية.
لكن الجنوب في لبنان صامد ولن يُسَّلِم،
وغزة تقاوم ولن تركع،
وما لم يفهمه ترامب هنا، لن يفهمه هناك.
أكثر ما يزعج أمريكا هو التاريخ… حضارة الشعوب التي بُنيت على قرون من الإنجازات والبطولات. أمريكا تفتقر الى هذا التاريخ، ولا تعرف كيف تتعامل مع الحضارات، فكلما اصطدمت بشعب له جذور وحضارة لا تفهم… لذلك تفشل، وهي تكرر أخطاءها، ولا تتعلم.
ولأنها تجهل التاريخ، حولت كل شيء إلى أرقام وأصول مالية:
الأمن مقابل الدولارات،
الحماية مقابل العقود،
الولاء مقابل الصفقة التالية، والتالية ثم التالية…
لا فرق بين مادورو وحكام الخليج. كلاهما “خزان نفط”، أحدهما يدفع نقدا فيسكتون عنه، والآخر يتهرب فيُشهرون في وجهه الديمقراطية…
هل تبحث أميركا فعلا عن الديمقراطية؟
ولماذا لا تثيرها ديمقراطية شعب بلا نفط؟
لماذا لا ترفرف أعلام الحرية فوق البلدان التي لا تمتلك آبارا تحتها؟
ترامب يرفع ذرائع جاهزة تَصلح لكل شيء وكالعادة، يُقدم خطابا بطوليا عن “الأمن القومي” وعن “محاربة المخدرات” … ألم تُقرر واشنطن ببساطة أن مادورو “غير شرعي”، وأن غونزاليس “شرعي” … يا لها من ديمقراطية!
دونالد ترامب يقيس الشرعية بالقدرة على فتح أبواب آبار النفط… يا لها من صدفة جميلة! نعم الديمقراطية هنا تريد صدفة بحتة… وهنا تبدأ السخرية الكبرى، ترامب يحلم بغزو فنزويلا بحماس طفل يريد غزو المريخ، الا ان المشكلة مخض رياضية وتكمن في الأرقام:
فنزويلا بلد مساحته ضعف مساحة العراق، و28 مليون نسمة، وجيش من 125 ألف جندي، والأهم ان فنزويلا تملك ثمانية ملايين عنصر من المقاومة…. ثمانية ملايين! هذا كابوس يبتلع الغزاة. أهلا بكم، جربوا حظكم الآن !…
المحللون العسكريون يقولون إن هذه الحرب تحتاج إلى 100 ألف جندي في أفضل الأحوال. لكن في أفضل الأحوال، هل من المفترض أن يتحول الفنزويليون إلى ورود، ويقفوا صفا واحدا بانتظار أن يأتي المارينز لقطفهم؟
التاريخ يقول شيئا آخر، 160 ألف جندي لم يستطيعوا السيطرة على العراق الأصغر مساحة وسكانا. فكيف بفنزويلا التي تعتبر نفسها إمبراطورية وطنية منذ أيام سيمون بوليفار؟
ثم يأتي الجانب الأكثر شاعرية، هذا الحلم يحتاج الى مليارات لا تُعد، ونقاشات لا تنتهي في الكونغرس، وموافقة لا يملكها أحد، ولجان القوات المسلحة التي تريد مراجعة حتى الضربات البحرية. كل شيء معقّد، كل شيء مكلف… إلا بالنسبة لترامب، الذي يختصر العالم في جملة واحدة: “سنستولي على النفط”.
هذا النفط هو صك سيادة… لكنه بالنسبة لترامب هو هدية ميلاد يمكن لفها بورق لامع وإرسالها إلى البيت الابيض كأي طرد بريدي…
دعونا نتخيل المشهد بعين السخرية المطلقة:
علبة كبيرة، ضخمة، تُغطى بورق أحمر وأخضر فاقع، ألوانها صارخة كألوان حملات ترامب الانتخابية. تُزين هذه العلبة بشريط من الذهب الصناعي البراق، شريط يشبه تماما التسريحة الشامخة التي يعتمدها ترامب.
وعلى الزاوية، تُثبت بطاقة صغيرة بيضاء، مكتوب عليها اسم المرسل إليه:
السيد دونالد ج. ترامب
صاحب العظمة المؤقتة
البيت الأبيض
1600 بنسلفانيا أفينيو
واشنطن – دي سي
الولايات المتحدة الأمريكية
هذه هي رؤية ترامب لفنزويلا، طرد شحن يجب أن يصل إلى مكتب البيت الأبيض بأسرع قت.
إن صدمة الصحافة الليبرالية، مثل الغارديان، من “تهور” ترامب، تكمن في أنها لم تفهم بعد أن ترامب هو ببساطة من جرد السياسة من الأكاذيب القديمة، لم يعد يقول إنه يغزو من أجل “حقوق الإنسان”، هو يقولها بصراحة:” أنت لا تطيع، لذا سأُقصفك بصاروخ”.
خيار “الغزو السريع” تهديد تفاوضي دائم وحاسم … لكن التاريخ، وخاصة تاريخ أميركا اللاتينية، يعرف جيدا كيف يُتعب الغزاة. وفي النهاية، يبقى ترامب أمام أمثولة فنزويلية بسيطة: يمكنك أن تلوّح بحاملة طائرات، وبالصواريخ وأن تهدد بالاجتياح، وأن تكتب تغريدات نارية تُفرقع…
لكن هناك شعوبا لا تُهزم بالقوة، هناك شعوبا تُهزم فقط إذا تعبت وهي لا تتعب.
باحثة واكاديمية لبنانية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

زلزال الشرق الأوسط !

بقلم / عادل حويس* في لحظة تاريخية فارقة يقف الشرق الأوسط – ومعه العالم بأسره …