عبد الرحمن مراد*
بعد شهر ونيف من الحرب أدركت الإدارة الأمريكية وترامب أن الحرب ليست نزهة كما كان يتخيل , ربما ساهمت العملية التي قاموا بها في فنزويلا وسيطرتهم عليها في عملية جبانة وخاطفة بالمغامرة الجديدة في ايران , بدليل أن سيناريو الخطة كان مبنياً في الأساس على تصفية الصف الأول من القيادات الإيرانية وبالتالي سقوط النظام ثم الهيمنة السياسية على القيادة الجديدة , وفرض النفوذ وحصار الصين من خلال التحكم بمصادر الطاقة , لكن هذا الهدف لم يتحقق , ووجد ترامب نفسه وحيدا في هذه المغامرة ومثل ذلك لم يكن في حسبانه , فالشريك الأساسي لأمريكا وهي بريطانيا رفضت المشاركة واستخدام قواعدها العسكرية وكل أعضاء حلف الناتو قالوا لترامب: الحرب ليست حربنا ولا مصلحة لنا فيها ,كما أن الشركاء الإقليميين رفضوا تمويل الحرب , وقالوا لترامب: لم تستشرنا وقد أضررت بمصالحنا , فاستشاط ترامب غضبا إلى درجة عدم قدرته على السيطرة على مفرداته حيث سقط أخلاقيا وقال كلاما سيظل وصمة عار في جبين السياسة الأمريكية على المدى الطويل , كما أن الشارع الأمريكي خرج منددا بالحرب وغاضبا من سياسة ترامب , فكان التناقض في التصريحات والتخبط هو السمة الغالبة على مفردات الحرب .
اليوم ترامب في موقف لا يحسد عليه وهو يحاول جاهدا أن يبرر قرار الحرب , ويحاول أن يسوق انتصاره فيها , ويكرر ذلك بشكل ممل في كل تصريحاته وتغريداته وخطاباته , إلا أن وعي الناس لم يستسغ تلك الأوهام التي ترد على لسانه , ويدرك خطأ القرار , ويدرك الآثار المترتبة على هذه الحرب التي قاده إليها نتنياهو , وهي حرب تصب كلها في مصلحة إسرائيل ولا مصلحة لأمريكا فيها تذكر , وهذه حقيقة وردت على لسان الكثير من رموز أمريكا السياسية والفكرية , ووردت على لسان بعض رموز الساسة البريطانيين , ويبدو أن بريطانيا وفرنسا أكثر دول حلف الناتو تضررا منها إذا استثنينا الصين على اعتبار أن الصين جبهة مناوئة لأمريكا وتخوض معها حربا باردة لغرض الهيمنة والتحكم بالمصالح الاقتصادية ,فهي منافس قوي لأمريكا وترغب أمريكا في الضغط عليها بمصادر الطاقة التي تعتبر ايران مصدرا مهما من مصادر الصين وكذلك فنزويلا .
الصين دولة قوية وتبتكر دائما حلولا لمشاكلها وهي دولة ذات عمق حضاري وتاريخي ومن المحال أن تستطيع أمريكا حصارها , أو أن تفرض عليها خياري الخضوع والهيمنة , ومثل الصين ايران التي تخوض مع أمريكا صراعا وجوديا على مدى أكثر من أربعة عقود من الزمان رغم العزلة الدولية والحصار الاقتصادي إلا أن إيران استطاعت الصمود ومقاومة أسباب الفناء والانهيار , وظل نظامها قائما رغم كل التحديات , وقد استطاع نظامها سد الفراغات الدستورية في ظروف الحرب ,وفي زمن قياسي يعجز سواها على مثله في مثل الظروف التي تمر بها , ومثل ذلك شكل صدمة قوية للخطط الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية , ويراه الكثير من المحللين انتصارا في حد ذاته , على اعتبار أن الهدف الرئيس من الحرب هو سقوط النظام واستبداله بغيره يكون أكثر قربا وخضوعا .
تركت الحرب تصدعات عميقة في بنية حلف الناتو , وتصدعا أكثر عمقا في النظام العام , وخرجت الكثير من الأنظمة التي كانت حليفة وخاضعة عن الطوع , وبدأت الكثير من الأنظمة ترتيب نسق علاقاتها في الحاضر وفي المستقبل بما يتسق مع المصالح المرسلة لها ,بعد أن اكتشفت أن أمريكا لا يحضر في حسبانها إلا مصالحها دون حسبان مصالح الحلفاء , الذين وجدوا أنفسهم في أدوار وظيفية تحقق مصالح أمريكا وإسرائيل , كما أن صراحة ترامب ووضوحه وعدم تستره خلف المفردات الدبلوماسية كان لها دور كبير في التحول وفي الآثار , وفي إعادة الحسابات , وطبيعة العلاقات , فترامب يعاني من هاجس البطولات منذ كان شابا يافعا , وهو يريد أن يصبح بطلا قوميا لكن خروج الشارع الأمريكي ضده شكل له صدمة كبيرة , خاصة بعد أن تكاثرت النعوش العائدة إلى أمريكا من ساحات المعارك .
حلم البطولة تبدد , وحلم الهيمنة على طرق التجارة تبدد , وجدار الهيمنة على دول الخليج أصبح متصدعا , ولذلك لم يسع ترامب إلا التصريح أن مهمة أمريكا العسكرية في ايران قد انتهت وقريبا يعلن وقف الحرب ,وقال أن أمريكا ليست معنية بفتح مضيق هرمز وأنه قضى على التهديدات الإيرانية وسلاحها البحري , وعلى فرنسا والصين أن يذهبا لفتحه , في حين يصرح وزير خارجية ايران أن فتح مضيق هرمز قرار سيادي يخص ايران وسلطنة عمان وسوف يتشاوران في ذلك .
ولعل الحرب قد ألقت بظلالها على الجانب الاقتصادي , وهو سلاح ضاغط بيد ايران يمتد آثاره إلى العالم كله , وتأثيراته كبيرة , قد تفرض واقعا جديدا على العالم كله من حيث العلاقات والمصالح ومن حيث الاستمرار في الحرب من عدمه , وكلما طالت الحرب نفد المخزون الاستراتيجي للعالم , وهذا عامل مهم في مسار المعركة , وفي المتغيرات العالمية التي سوف تحدث في قابل السنين ,وهي آثار بعيدة المدى ,أكثر آثارها ستكون على النظام الدولي الحالي وقد يصب ذلك في مصلحة فكرة نظام دولي متعدد الأقطاب , فالصين وروسيا وكذلك فرنسا وبريطانيا والكثير من أعضاء حلف الناتو سوف يعيدون رسم السياسات بما يتسق مع المتغيرات , فالحرب إن كانت شرا في ظاهرها فهي تحمل الكثير من المتغيرات , فالتدافع فطرة هدفها التجديد خوف الفساد في الأرض , وأمريكا بالغت في فساد حياة الأمم والشعوب والله غالب على أمره ولو كره المشركون .
*نقلا عن الثورة
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر