د. عبد الحميد فجر سلوم*
الحرب في اليمن مؤسِفة على كل المستويات، وقد أعادت اليمن عشرات السنين إلى الوراء، ووسّعت من عُمقِ الشروخ بين أبناء الشعب الواحد..
لستُ بِصددِ العودة للماضي وتحديد المسؤولية عمّن كان السبب، أو المُسبِّب بهذه الحرب.. وكمُتابعٍ للتطورات في اليمن منذ 2011 حينما خرجتْ المظاهرات الشبابية ضد نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، بعد ثلاثٍ وثلاثين عاما من حُكمهِ، حوّل خلالها اليمن إلى مزرعة له ولعائلتهِ(كما فعلَ نزار باييف في كازاخستان)أستطيع أن أؤكِّد أنهُ لولا التدخلات الخارجية، والأصابع الخارجية، ما كان حصلَ كل ما حصل.. وكان الجميع ماضون في الحل والانتقال السياسي(بما فيهم جماعة الحوثي) وفقا لخريطة الطريق للمبادرة الخليجية، ولِوثيقة الحوار الوطني التي انبثقتْ عن مؤتمر الحوار الوطني الشامل منذ كانون ثاني 2014.. وفجأة وفي مِفصلٍ ما، وبِسِحرِ ساحرٍ، انقلب كل شيء، ورُفِضت مسودة الدستور من قِبَل الحوثي، التي قدمها الرئيس حينها عبد ربه منصور هادي، بموجب خريطة الطريق الخليجية للحل، ثم حصلَ ما حصل..
*
ليس بِسرٍّ أن جماعة الحوثي مدعومة بالكامل من إيران..وتُشكِّلُ حلقة من حلقات محور المقاومة التي تتزّعمهُ إيران في المنطقة، والذي يضمُّ سورية أيضا .. وترفعُ شعار ” الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل” وياليت ذلك يحصل، ولكن للأسف أنّ من نراهُم يموتون هُم أبناء اليمن وغير اليمن من أبناء الأمة العربية..
وبناء على ذلك، يمكنُ القول، ولو افتراضيا، أن كل أطراف محور المقاومة تصطفُّ إلى جانب الحوثي في الحرب الدائرة بينهُ من طرف، وبين التحالُف العربي بقيادة السعودية من طرفٍ آخر، والذي يقول أنهُ جاء بطلبٍ من حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي ما زالَ مُعترَفا به رئيسا شرعيا من طرف المجتمع الدولي، والأمم المتحدة.. تماما كما تقول إيران وروسيا أنهم جاؤوا بطلب من الحكومة الشرعية للقتال في سورية..
أوجُه تشابُه عديدة، بين الحالتين اليمنية والسورية أدّت إلى المطالبات بالإصلاح عام 2011، قبل الإنزلاق للسلاح والحرب والتدخل الخارجي، والإرهاب..
ففي الحالتين كان هناك فساد وإفساد كبيرين، وانتشار المحاباة والمحسوبيات، وغياب القانون والعدالة والمُحاسبَة وتكافؤ الفرص، واحتكار المدعومين للمناصب والمكاسب، وسوء توزيع للثروة.. الخ..
*
بغضِّ النظر عن كل ذلك، وأنّ الحرب قد وقعت، فكان يجب تحييد الأهداف المدنية بالكامل من طرف الجميع.. سواء داخل اليمن أم خارج اليمن..
استهداف منشآت مدنية في إماراتَي أبو ظبي ودبي، في 17 كانون ثاني 2022 ، وسّع دائرة الحرب، وبذات الوقت ضاعفَ من مخاطرها ودمارها وضحاياها، من خلال الرد الإماراتي والسعودي على مواقع الحوثي في اليمن..
*
طبعا لا أبرِّرُ هنا لأحدٍ، وكنتُ أتمنى دوما على كافة النُخب العربية، لاسيما الإعلامية، وانطلاقا من واجبها العروبي والقومي والأخلاقي والإنساني، عدم صبِّ الزيت على النار أكثر بدعمِ هذا أو ذاك، بل الوقوف على حيادٍ من هذه الحرب المجنونة، التي انخرط الجميعُ بجنونها، والدعوة دوما إلى وقفها، وتغليب لغة العقل والحوار، وعودة الأمور في اليمن إلى ما كانت عليه قبل 21 أيلول/ سبتمبر 2014 ، وعودة الرئيس الشرعي، وانضواء الجميع تحت لواء الشرعية، والمُضي بتنفيذ مُخرجات وثيقة الحوار الوطني، وخريطة الطريق التي رسمتها المبادرة الخليجية المُعدّلة، والتي حازت على رِضا الجميع.. قبل أن تنقلب الأمور فجأةً رأسا على عقِب، كما السِحر..
*
حسابات الحوثي، بأنَّ هذا القصف في العمق الإماراتي، سوف يردع أبو ظبي ويدفعها للخروج من اليمن، ومن التحالُف العربي، هو حسابٌ غير صحيح.. بل العكس، سوف يدفع بأبو ظبي إلى الثأر والانتقام، كنوعٍ من الحفاظ على هيبتها، وإلى التسريع من الاستدارة نحو إسرائيل وتشكيل تحالُف عسكري معها.. وهذا سيُغضِب إيران أكثر، الغاضبة أساسا من التطبيع الإيراني الإماراتي، فكيف إن تحوَل الأمر إلى تحالف عسكري..
وتحدثت بعض الأنباء عن إمكانية عقد معاهدة دفاع مُشترك بين الإمارات وإسرائيل، على غرار تلك التي أُبرِمت بين إسرائيل والمغرب.. وإنْ حصلَ ذلك، فإنهُ سوف يُزيدُ من تعقيدات المشهد في اليمن وفي المنطقة الخليجية عموما، وستُصبِحُ أبو ظبي تحت الحماية الإسرائيلية بشكلٍ مُباشر وتصبح إسرائيل معنية بأمنِ الإمارات وحمايتها والدفاع عن أراضيها..
*
كل ذلك سينعكس سلبا على تقارُب دول الخليج العربي وحلفائها من العرب، مع سورية.. وسيزدادون إصرارا على مطالِبهم بابتعاد سورية عن إيران، وهذا ما ترفضهُ دمشق، وذلك بعد مرحلةٍ من التفاؤل بالانفراج إثرَ اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية د. فيصل المقداد مع وزراء خارجية بعض الدول العربية خلال الدورة 76 للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2021 في نيويورك، وفي مقدمتهم وزيرا خارجية مصر والأردن.. والتي وصفها الوزير المقداد بالمُهِمّة، مُعرِبا عن “ترحيب سورية بأي مبادرة لاستعادة العلاقات الطبيعية والحارّة مع الدول العربية الشقيقة”..
ومؤكِّدا ثانية في لقائهِ الإعلامي يوم 17 / 1 / 2022 على “أهمية تحسين العلاقات العربية ــ العربية، وأن سورية جزءا لا يتجزّأ من العمل العربي المشترك، وأن الخارجية وجّهت رسائل إلى معظم وزراء الخارجية العرب، بأنهُ علينا العودة لبعضنا كعرب”..
ــ وكذلك بعد زيارة وفد وزاري سوري كبير للأردن في أيلول 2021 وضمَّ وزراء الموارد المائية، والزراعة، والكهرباء، والاقتصاد..
ــ وبعد مكالمتين هاتفيتين للرئيس بشار الأسد مع ملك الأردن، وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد..
وبعد مُشاركة سورية في معرض ” إكسبو” في دُبي..
ــ وبعد زيارة وزير خارجية الإمارات لِدمشق..
كل ذاك التفاؤل بعودة سورية والعرب لبعضهم البعض، بدأ بالتلاشي.. وسيَضعفُ أكثر مع التصعيد الحوثي ضد دولة الإمارات، الأكثر قُربا من دمشق.. ويزيدُ من جُرحِهم..
*
وأستطيع أن أُقدِّر مدى حَرَج دمشق من هذا الموضوع.. فهي غير قادرة أن تُعبِّر عن دعمها للحوثي(الحليف في محور المقاومة) في قصف أهداف مدنية داخل أراضي الإمارات، وغير قادرة أن تُدين أو تستنكر ذاك القصف.. ومن هنا كان الصمت.. ولكن حسب تقديري الخاص والشخصي هي غير راضية ضمنيا عن الفِعل الحوثي في الإمارات..
*
لم يكُن من الجائز، من أي طرفٍ التعرُّض لِأهداف مدنية، داخل أو خارج اليمن.. ولا توسيع دائرة الحرب خارج حدود اليمن.. فهذا لا يخدمُ طرفي الحرب ويُعقِّدُ من فُرص الحل..
*
القصف الحوثي للإمارات، انعكسَ عليهم شجبا واستنكارا عربيا ودوليا واسعا، بدءا من أمين عام الأمم المتحدة، وحتى موسكو، صديقة سورية، وكذلك الجزائر صديقة سورية، جميعهم استنكروا ذلك..
وقلّلَ من التعاطُف الدولي الإنساني مع اليمن، ودفع بالولايات المتحدة لإعادة النظر بتصنيف جماعة الحوثي جماعة ” إرهابية” .. بينما مجلس الجامعة العربية اتّخذَ قرارا بالإجماع بتصنيف جماعة الحوثي جماعة ” إرهابية” ..
وحتى حركة حماس، حليفة الحوثي في محور المقاومة، نفضت يدها من هذا الأمر، حينما أصدرت بيانا أكّدت فيه أن الهتافات التي أطلقها فلسطينيون(حركة الجهاد الإسلامي) ضد دول عربية وخليجية، لا تُعبِّرُ عن موقفها..
كل هذا لا يخدم موقف الحوثي.. ويُزيدُ من تعقيدات المشهد اليمني أيضا..
*
وأشيرُ، أن إيران يجب أن تسعى جاهدة لإزالة كافة عوامل الخوف لدى حُكّام الخليج، لأن هذا الخوف يخدمُ فقط أمريكا وإسرائيل، وتستثمرُ فيه واشنطن وتل أبيب، وتبيع لهم السلاح بعشرات المليارات، ويُسارِعون الخُطى نحو استضافة المزيد من القوات الأمريكية والقواعد الأمريكية، بل وربما مستقبلا القواعد الإسرائيلية..
والتوتر الخليجي ــ الإيراني، يخدم أمريكا، كما يخدم إسرائيل، لِجهةِ شعور دول الخليج بالحاجة الماسّة إليهما لأجل الحماية، بل والترجِّي لأجل ذلك، ولأجل تعزيز الوجود الأمريكي والإسرائيلي، وشراء السلاح منهما.. وهكذا تبتزّان دول الخليج وتحصلان منها على كل شيء تطلبانه..
وهكذا أيضا تأتي سياسة طهران بِعكسِ أهدافها مع دول الخليج، فترميهم أكثر بالحضن الأمريكي والإسرائيلي، بدلَ دفعهم للابتعاد عن ذلك وإزالة القواعد الأمريكية من بُلدانهم..
لا تستطيع إيران أن تلومهم، إن كانوا يخشون على عروشهم منها.. فهي أول من يعلم أن أغلى شيء في الحياة لدى الحُكّام العرب هي العروش، ودونها يسهُل كل شيء..
*كاتب سوري وزير مفوض دبلوماسي سابق
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر