الأحد , مارس 22 2026
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / ما معنى تقسيم الاقصى؟

ما معنى تقسيم الاقصى؟

علي الزعتري*
ها هي طائرة صهيونيةٌ تُلقي قنابل مسيلةً للدموع على المصلين في المسجد الأقصى. و كل يوم سابقٍ لم تتوانَ القوة المحتلة، ذكورها وإناثها، من كل لونٍ و عِرْقٍ مستورد و مستولد، لاقتحام المسجد و التنكيل بالمصلين. لم تتوانَ أو تترددْ و لا حسبت حساب عرب و لا مسلمين. ثُمَّ يقولُ قائلٌ أن خطة السيطرة الصهيونية المكانية و الزمانية قد فشلت! إن كان الضربُ من الجو والزحفُ من الأرض و الاقتحامات من المستوطنين إفشالاً من قبيل النصر فما هو الانهزام؟ الحقيقةُ الدامية أن الصهاينة يملكون المكان و الزمان و أن المجاهدون المقدسيون يحاربونهم بالرباط داخل الحرم لكنهم لا يقدرون على هزيمتهم. الصهيونية تقول ما هو وقتها و ما هو وقتنا و مكانها و مكاننا في الحرم القدسي. واضحةٌ جداً هذه المعادلة المتطورة في الظهور لإقرار الواقع الصهيوني الزماني و المكاني والهدف هو الوصول ليومٍ ستقامُ فيه الحواجز الحديدية و يُرفعُ الشمعدان في الأقصى. فماذا عندها؟
عندها؟ أسننتظرُ لعندها؟ كما الحرم الإبراهيمي؟ يبدو كذلك. رغماً عنا و عن احتجاجاتنا و مناشداتنا فليس عندنا شهوةً حقيقيةٌ لخلط الأوراق مع الصهيونية. و الصهيوني يعلم ذلك و يتلاعب بنا ليل نهار. تبعاتُ أي خطوةٍ عربية الآن ستؤدي لكثيرٍ من المصاعب التي لا يستطيع أو يريد العرب تحملها وهم ليسوا بقادرين على إيجاد حلولٍ بديلة لها. قائمةٌ طويلةٌ من المنافع تمنعهم. و هي منافع خرقت الجسم العربي للنخاع. و انتزاعها من النخاع سيكون مؤلماً أكثر من ألم رؤية الصهيونية متربعةً في الأقصى. داء الإبراهيمية المبتدعة و إيواء الديانات الثلاثة تحت سقفٍ واحد سيصلُ للأقصى.
وكذلك المنطق العربي الذي سعى لحل الدولتين فهو سينطبق صهيونياً على الأقصى بتقسيمه في الخطوة الأولى بين اليهود و المسلمين ثم الابتلاع الكامل. الشيء من أصله يولد. حل الدولتين الذي تتغنى به العرب يتساوي بنفس المنطق مع قسمين للأقصى. و هل يعتقد عربيٌ أنه سيكون هناك دولتين؟ أوقدسين؟ إنه الأمرُ الواقع للاحتلال المبتلع لفلسطين والجولان ولبنان جزئياً و الممتد في البحر أمام قلة حيلة الفلسطينيين و المقدسيين منهم خاصةً أمام الصهاينة رغم استبسالهم الأسطوري؛ فماذا يفعلون؟ و هل كان الحذاء و الحجر يوماً مساوياً للهراوة و الغاز و الرصاص؟
ماذا تنتظر من أمةٍ تحفظ حكاية الثيران الملونة و لا تفهمها؟! ماذا ننتظرُ و نحن نرى مبدأ (و يا له من مبدأٍ بلا مبادئ) الدولتين و بموازاته مبدأ الإبراهيمية الذي يساوي بين الجلاد والضحية. مبدآن قاتلان لفلسطين.
ولا أقول أن على غزة أن تتحرك فهي حين تتحرك تعاني الأمرَّينِ من القوة الغاشمة. مقيدةٌ بالوفود والوساطات للتهدئة و موعودةٌ بشيئٍ ما من قبيل الإفراج عن الأسرى و الإعمار لكنه لا يأتي. كلما خرج أسيرٌ عادوا وأسروه أو قتلوه. و هل يستطيعُ حفنةٌ من المجاهدين في جنين الصمود؟ و في الوقت ذاته هادئةٌ تماماً قوىً فلسطينيةٌ إلا من الشجب. الجهود العربية غير مفهومة أمام السعار الصهيوني. إن كانت لمنعهِ من الأقصى فهي تفشل لأن الصهيوني قادر و هي غير قادرة. و إن كان لاستثارة الصخب و العاطفة العالميين فالعالم منتبهٌ أكثر لأوكرانيا فهي أقربُ لقلبهِ من كل العرب. لكن بلينكين لم يفوت الفرصة فقال جهاراً أن الأهم لبلاده هو أمن إسرائيل. فما هي الحكمة و لماذا يصرُ العرب على التهدئة؟ و هل يهدأ الصهيوني؟ هل هدأ أبداً؟ إن الواقع العربي يشي بما هو ظاهرٌ و غير مخفيٍّ و هو الخوف من خروج السخط الشعبي العربي عن حدوده المقبولة و فقدان السيطرة عليه. الحدود المقبولة هي مظاهرةٌ هنا و اعتصامٌ هناك و خطبٌ حماسية تُقال ثم كل ذلك يذوب. و فقدان السيطرة مخافةٌ غير واقعية. بل أن الحكومات العربية عند اتخاذها مواقفَ اشتباكٍ جدية مع الصهيونية ستحيط نفسها بحزامٍ من الشعوب المخلصةِ لها و لو عانت من صعوباتٍ معيشية. لكن طالما استكانت الدول العربية للصلفِ الصهيوني فستبتعد عنها الشعوب قدراً ملموساً و تزداد الهوة اتساعاً.
إن قضية فلسطين ليست عبارةً تاريخيةً بل هي جوهر الوطن العربي الذي حتى في تمزقِ دولهِ الذي نرى لا تزال هذه القضية تحركُ وجدانهُ و تؤججُ وطنية العربي. و قضيةُ فلسطين لا تُختَزلُ بالأقصى و هو قِبْلةٌ و رمزٌ و مكانةٌ و عهدٌ، بل هي فلسطين التاريخية بكل ترابها. إن الأجدى للعرب اليوم أن يستخدموا ما يملكون من سلاحٍ وهو سلاحُ سحبِ الاعتراف بكيان الصهيونية و وقف التعامل معه. سنتحمل مع هذا القرار إعصار الغضب الصهيوني و الدولي و تبعاتِ وقف الفوائد و لكننا لن نموت جوعاً و لا عطشاً. و إن متنا فتهونُ الدنيا و ما فيها أمام فلسطين والأقصى.

*كاتب ودبلوماسي اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

متى يفيق“مخمور” البيت الأبيض؟

  محمد أحمد سهيل المعشني* ​لم يعد الصمت “حكمة”، ولم يعد التريث “دبلوماسية” في يومٍ …