د/حسن مرهج*
في غمرة المناخ الإقليمي والدولي، وكعادته، يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، استغلال هذا المناخ، واستثماره بما يناسب خططه التوسعية، واستراتيجياته العدوانية في المحيط الإقليمي لـ تركيا، وتحديداً في سوريا، وهذا يبدو واضحاً من خلال تلويح أردوغان بشن عملية عسكرية، على طول الحدود الشمالية في سوريا، لكن في العمق، وعلى الرغم من أن القرار التركي ليس بجديد، لكن يختلف عن العمليات العسكرية التركية في سوريا، من زاوية الظروف السائدة في المنطقة من جهة، والظرف الدولي المعقّد من جهة أخرى.
القرار التركي توضح عبر تصريحات أردوغان، إذ قال أن بلاده “ستبدأ خطوات تتعلق بالجزء المتبقي من الأعمال التي بدأتها، لإنشاء مناطق آمنة في عمق 30 كيلومترا على طول الحدود الجنوبية مع سوريا”، مضيفا أن القرار النهائي سيتم اتخاذه في اجتماع مجلس الأمن القومي التركي، الخميس المقبل. وفي وقت توقع فيه مراقبون أتراك أن تتجه تركيا لهكذا عملية في المرحلة المقبلة، اعتبرت قوات سوريا الديمقراطية، أن التصريحات التركية عن عمل عسكري تهدف إلى تسخين الأجواء.
حقيقة الأمر، إن مشروع المنطقة الآمنة التي ينادي بها أردوغان، هي مشروع قديم جديد، حيث تحدث أردوغان عن تلك المنطقة منذ عام 2013، وبينما جدد مطالبه في تنفيذه على أرض الواقع على طول الحدود الشمالية مع سوريا، لم يلق أي تأييد من قبل الدول الفاعلة بالملف السوري، وخاصة أميركا والأوروبيين، منذ ذلك التوقيت.
النوايا التركية تتمثل في إعادة مليون لاجئ سوري إليها، وتوطينهم في المنطقة الآمنة، بُغية استثمارهم سياسياً عند أي استحقاق سياسي إقليمي أو دولي، يراه أردوغان ضرورياً، فضلاً عن رغبات تركيا بـ إبعاد “وحدات حماية الشعب” الكردية، العماد العسكري لقوات سوريا الديمقراطية، من على حدودها، والتي تعتبرها تهديدا لأمنها القومي، متهمة إياها بالارتباط بـ”حزب العمال الكردستاني” المصنف على قوائم الإرهاب الدولية.
في التوقيت، وفي حال أقدمت تركيا بالفعل على تنفيذ تهديدات العملية العسكرية الحالية في شمال سوريا، فإنها ستكون الخامسة من نوعها للجيش التركي.في غضون ذلك وبينما كان لكل عملية عسكرية تركية في السابق ظرفها الخاص، يأتي التلويح بالخامسة في ظل مستجدات إقليمية ودولية، إذ جاءت تهديدات أردوغان بالتزامن مع قضية الطلب الذي قدمته فنلندا والسويد من أجل الانضمام لحلف شمال الأطلسي، وهو الأمر الذي تصر أنقرة على رفضه، وتشترط ضمانات تتعلق بالمنظمات التي تعتبرها إرهابية على طول حدودها .كما تأتي التهديدات في وقت تتحول فيه أنظار العالم إلى أوكرانيا والغزو الذي بدأته روسيا ضدها، منذ الرابع والعشرين شباط / من فبراير الماضي.
في غمرة ما سبق، وتحديداً لجهة النوايا التركية تُجاه شمال شرق سوريا، لابد من التنويه إلى جملة من الحقائق، حيث أن واشنطن ودعمها لقوات قسد، إنما تضع تركيا أمام اختبار استراتيجي كبير، خاصة أن واشنطن وفي الأشهر الأخيرة، قدمت دعماً عسكرياً كبيراً لـ قسد، وفي حال إطلاق تركيا عملية عسكرية في شمال شرق سوريا، فإن ذلك يعني إستراتيجياً، بأن أنقرة تطلق النار على نفسها، وفي جانب أخر، يبدو واضحاً أن ضبابية الموقف الأمريكي من الإعلان التركي، إنما يندرج في إطار وضع تركيا أمام مفترق طرق، إذ لا يُمكن لواشنطن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا، دون وضع محددات أمام أنقرة، تُجبرها على إعادة تقييم موقفها وقراءاتها العسكرية.
في المقابل، روسيا أيضاً لم يكن لها موقف واضح ومحدد من الإعلان التركي، فالواضح أن موسكو ورغم انشغالها بالعملية العسكرية في أوكرانيا، إلا أن ذلك لا يعني إطلاقاً السماح لأردوغان بالتصرف برعونة في شمال شرق سوريا، ولا يمكن لـ موسكو أن تسمح لأردوغان بالتصادم عسكرياً مع الجيش السوري، نتيجة التحالف العميق والإستراتيجي بين موسكو ودمشق. وبالتالي فإن موسكو وإن بدأت تركيا بتنفيذ قرارها في شمال شرق سوريا، فإن أنقرة ستصطدم عسكرياً مع القوات الروسية وكذا السورية، خاصة أن الموقف التركي من الحرب الروسية الأوكرانية، لم يكن متوافقاً مع موسكو، إذ قامت تركيا بإغلاق المجال الجوي التركي أمام الطائرات الروسية القادمة من موسكو، فضلاً عن محاولات أنقرة دعم القوات الأوكرانية في مواجهة موسكو، عبر تزويدها بطائرات تركية مسيرة. كل ذلك يعطينا مشهداً واضحاً حيال الموقف الروسي من أي عملية عسكرية تركية في شمال شرق سوريا.
إضافة إلى ما سبق، لابد من الإضاءة على نقطة غاية في الأهمية، إذ أن رجب طيب أردوغان، وخلال سنوات الحرب على سوريا، حاول مراراً وتكراراً بإسقاط الأسد، الأمر الذي فشل به، ولم يتمكن من تحقيق هذا الهدف، وعليه فإن قرار أردوغان يبدو أنه مؤطر بشخصنة الواقع، بمعنى أن عداء أردوغان للأسد، وفشله في تحقيق غاياته لجهة إسقاط الأسد، إنما تُترجم واقعاً عبر نوايا تركية بإنشاء منطقة آمنة، تكون في المستقبل نقطة انطلاق لمشاريع تقسيم الجغرافية السورية، لكن تبقى القيادة السورية، مدركة لهذا الواقع، ولا شك بأنه لدى الأسد خطط إستراتيجية بديلة، سترهق أردوغان.
حقيقة الأمر، إن الحديث المتعلق بـ “توسيع المنطقة الآمنة” يرتبط بعوامل داخلية، تتعلق بشكل أساسي بالانتخابات الرئاسية المقرر تنظيمها بعد عام من الآن، وما يرافق ذلك من ضغوطات تمارسها أحزاب المعارضة التركية، بشأن ملف اللاجئين السوريين، وضرورة إعادتهم إلى بلادهم. لكن في المقابل، وكما قُلنا، بأن الرغبة التركية بتوسيع حدود المنطقة الآمنة ليست جديدة، لكن الظروف المناسبة اليوم لمثل هذه العملية لم تكن متوفرة في السابق، وعندما أطلقت أنقرة عملية “نبع السلام”، لم تستطيع توسيع حدود هذه المنطقة أكثر من المساحة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض، بسبب الضغوط الأميركية والغربية والروسية الكبيرة التي مورست عليها في تلك الفترة، أما اليوم، يبدو الوضع مختلفا على أكثر من صعيد، إذ يعتقد أردوغان أنالظروف الآن تبدو مثالية لشن هجوم جديد ضد الوحدات الكردية، فمن جانب، تبدو روسيا مشغولة بأزمتها في أوكرانيا ويتعرض وجودها العسكري في سوريا لضغوط شديدة من جانب تركيا بعد تقييد حركة الأجواء وإغلاق البحر الأسود، ومن جانب آخر، يتابع فإن الغرب يحتاج إلى ضمان عدم توتر العلاقات مجدداً مع أنقرة، والاستفادة من مزايا أنقرة في إستراتيجية احتواء روسيا وتوسيع حلف الناتو.
جملة ما سبق، يبدو واضحاً أن رجب طيب أردوغان يعود مجدداً إلى سياسة الضرب بسيف الناتو وواشنطن، محاولاً استغلال الظرف الدولي الذي تمر به روسيا، جراء العملية العسكرية في أوكرانيا، والعقوبات الغربية التي تُفرض ضدها، فضلاً عن سياسة أردوغان الداخلية، والتي يُريد عبرها، توجيه الأنظار إلى الخارج، خاصة أن شعبيته السياسية في تناقص مستمر، لكن من جديد يعود أردوغان إلى سياسة التخبط ضمن دول الجوار، الأمر الذي ستكون له تداعيات جمة، تطال أردوغان داخلياً وخارجياً.
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر