الجمعة , مارس 20 2026
الرئيسية / اراء / لماذا خلق الله جهنم؟!

لماذا خلق الله جهنم؟!

خالد شحام*
تحت عنوان مأساوي ( انا وديت ولادك الجنة يا محمد ) نشرت المواقع الإخبارية والصحف خبرا بالأمس حول حنان السيدة المصرية ذات الثلاثين عاما التي أقدمت على قتل أولادها الثلاثة ذبحا ومن ثم حاولت الآنتحار ، لا داعي لأن أسقيكم التفاصيل لكن يمكنكم في الزاوية السفلية من صحيفة رأي اليوم كمثال أن تقراوا رشفة لا بأس بها من نفس هذا الكأس والتي أصبحت منتشرة وتملأ بلاد العرب وحتى بلاد العالم .
ليس الأمر حالة نادرة ولا شيئا بعيدا في عوالم البشر والمجتمعات الإنسانية فالجريمة والبشر شيئان متلازمان ، أما بعد فلا يمكن أن يمر مثل هذا الخبر مرور الكرام وليس من المتاح أن نفكر بأن هذا الشذوذ الفطري جاء من الفراغ أو بعث من العدم ، جريمة مضافة بأن نقول بأن هذه السيدة ارتكبت جريمة مؤلمة ثم نصمت لأن الشيطان الخاص بالتفاصيل سوف يعترض هو بحد ذاته ، تقول الطبيبة النفسية هالة حماد في تعليقها على الحادثة في نفس الصحيفة ( ان اكتئاب ما بعد الولادة يجعلها تعتقد أن هناك شيطانًا قد يحاول التخلص من أبنائها «وارد إن الزوج لامها لعدم رعايتها لابنها الصغير، أو هددها بالزواج من أخرى، وربما يكون في علاقة أخرى، والأم شعرت بأنها وأطفالها عبء على الزوج؛ وهي متألمة من حاجة قيلت لها ) …انتهى الاقتباس شكرا لك دكتورة هالة لمروادة الحقيقة عن نفسها وتلفيق إثم مضاف تتكحل به الاحتفاليات الاعلامية التي تطبل خلف كل جريمة وكل مأساة وتحولها إلى شهادة بعدم اهلية هذه الشعوب حتى للحياة فما بالكم بالديموقراطية والمطالبة بالحرية !.
بعيدا عن التحليل المزيف والمحرف الذي قدمته الدكتورة المرعوبة من ذكر الحقيقة دعونا نذهب في كورس مجاني لعلم النفس كي تحللوا وتفهموا لماذا يحدث مثل هذا الشيء المرعب في بلادنا في مصر والعراق ولبنان والمغرب وسوريا وكل القارة البائسة ، لماذا يٌدفع الناس إلى الرغبة في الموت بدلا من الرغبة في الحياة ، في الدرس الأول يمكنكم ان تشاهدوا قيمة الإنسان العربي وما يُفعل به على مدى ثلاثين سنة أو أكثر وكيف تتدحرج هذه الأفعال لتتحول إلى قنبلة نابالم ضخمة تحرق كل المجتمعات العربية ولا يسلم من شرها طفل ولا إمراة ولا عجوز ولا مريض ولا صحيح ولا مكسور ، يمكنكم أن تتاملوا جيدا كيف يطلق الرصاص على مواطن عربي ثم يلقى في حفرة وتشعل فيه الإطارات وسط ضحكات خارجة عن الإنسانية وحتى الوحشية ، يمكنكم بان تشاهدوا كيف يقتل عدد من المواطنين العرب حتى يقال بأن ( الإرهابيين ) فعلوها ثم عقب ذلك تجلب صورة أشد إجراما لثلة من الجنود يجرون جثثا لأفراد مدعى عليهم بأنهم هؤلاء هم الإرهابيين ، يمكنكم أن تشاهدوا ما يفعل بكرامة المواطن اللبناني وكيف تساق إلى المنحى الحيواني ليلعن اليوم الذي ولدته فيه أمه ، يمكنكم أن تتأملوا جيدا ما يحدث لقيمة الإنسان العربي في اليمن وليبيا والعراق وسوريا حيث كرامة الذباب تساوي كرامة دزينة من البشر ، يمكنكم أن تتأملوا فيما يحدث في فلسطين وحدها وكيف يقتل الإنسان في الشارع بطلقة من رصاص لأجل لا شيء سوى تسلية جندي من فصيلة الجحيم ليكشف عن فصيلة دم الضحية ولونه الفاضح ، يمكنكم أن تحصلوا على الدرجة الرفيعة في علم النفس لو تأملتم كيف تحاصر غزة منذ ستة عشر عاما ويعامل أهلها وكأنهم من خارج الإنسانية ثم يطالبهم الضمير العربي المدعي للشرف والمروءة بالرد على اعتداءات مسيرة الأعلام وهجمة المستوطنين والمس بالمقدسات العربية والاسلامية التي تخص مليار عربي ومسلم ، يمكنكم أن تشاهدوا عري أمة بأكملها تتفرج على جسدها المباح وتبتلع الإسبرين ليحررها من آلامها السرمدية ، هذه الأمة هي التي تحتاج الاستشاري السيكولوجي كي يتمكن من إفهامنا كيف تتكاثف المحرمات فوق الصلوات وكيف تتراكب المعسرات مع الذاريات ، والجاريات مع العاصفات .
حنان المسكينة مجرمة في لوائح القانون والتشريعات والمجتمع الذي لعنها لكن حنان في الزاوية الأخرى من الضمير الذي يقف باكيا في ظهر المشهد هي ضحية مثلها مثلنا جميعا ، ضحية ميكروسكوبية مخفاة بمهارة تحت سخام العيش وتمزيق المجتمع ودفعه ليفقد عقله ورشده ووعيه وحتى محدداته الإنسانية بفعل المجرمين الذين يحبكون اللعبة المعيشية لتكون مسرحا للوجع والقهر والمكابدة ، مسرح محضر و يتحضر لإنتاج مليون جريمة لكل عام من السرقة والاغتصاب والقتل وذبح الأبناء والقاء الزوجة من الطابق الرابع وانتحار الأب والأم وغير ذلك من حبكات الدراما السوداوية التي تقترفها الأنظمة العربية بحق شعوبها ، حنان المسكينة هي عربية واحدة من بلاد العرب حيث كلنا ضحية الفشل الاجتماعي والتربوي والسياسي وتحويل منزلتها الآدمية إلى كائن محبوس في قفص غير منظور يسجن وعيها وأنوثتها ومصيرها ومستقبل بلادها ومكانتها كأم وزوجة وإمراة ومواطنة ، حذار أن يوجه أحدكم لوما للضحايا لأن الدماء لها عقل وتتكلم بعد المنام ولأن دماء الضحايا تحاكي قاتليها الذين يرفض أن يراهم أحد في ظلمة الليل الطويل .
هذه الجريمة الفادحة التي يتعامل معها النظام العربي بسعة صدر ولا تسبب له الحرج ولا الضيق وأنها ( منهم وفيهم ) هي جزء غير مرئي من نسيج الكارثة العربية المعاصرة وحجر صغير من فسيفساء المشهد العربي البائس حتى البكاء ، إنها صورة واحدة ناطقة بحجم الخسارة الفادحة وصارخة بمدى الظلم والقهر والمعاناة العربية التي تترجم نفسها إلى دوي هائل في الوجدان الإنساني بصيغته العالمية وليس العربية ، إنها جزء من مشهد كبير متزاحم الألم ترون فيه نعش شيرين أبو عاقلة أو الصحفية غفران وهو يتعرض للإعتداء بعد قتلها مرتين ، ومشهد آخر يقتحم فيه ما يسمى المستوطنون اليهود باحات المسجد الأقصى ويدنسون شرف مليار عربي ومسلم ثم نرد عليهم بالهتاف لفوز فريقنا الأسطوري في كرة الحذاء ، ومشهد آخر لأب يبيع أطفاله لأجل حفنة من خبز أو أجرة بيت ، ومشهد آخر لسيدة لبنانية وأخرى سورية وثالثة يمنية وهي تنبش في الفضلات لعلها تجد شيئا يثبت بقاءها على الحياة أو يمنحها فرصة أخرى للغد ، ومشهد عاشر تجدون فيه مسؤولين عرب يضحكون على بؤس وفقر وجهل شعوبهم وهم يتبادلون كأس الويسكي مع الحاخام الملك قربانا بعقود ومبيعات وصفقات ليست الشعوب إلا تحت حذائها ..هذا هو المشهد العربي بكل التراجيديا الكامنة في مفاصله وعظامه وحتى ايامه وليست صورة حنان هي الوحيدة ، هذه هي النظرية السيكولوجية العربية التي تفسر لماذا فعلت حنان المسكينة ما فعلته بحق أطفالها الأبرياء وبحق نفسها وحياتها المعتمة .
حنان وغادة وسهام وأنس ومحمد وأحمد العربي وكلنا ، كلنا ضحايا الجريمة الكبرى ، نحن لسنا يائسون كما تقول تحاليلكم النفسية ولا مصابون بوسواس الرغبة في الموات والانتحار كما يريد أن يقول شريطكم الإخباري ، نحن لسنا مرضى بالعلاقات المحرمة ومغموسون بالثأر العشائري ، نحن ضحاياكم ، نحن كلنا الشهود والشهداء على جرائمكم وما تفعلونه بالشعوب العربية وقمعها وحبسها في سور كبير اسمه عالم العرب ، نحن ضحايا تبعيتكم للولايات المتحدة الأجرامية وتبعيتكم لكل شيء إلا مصحلة بلادكم وشعوبكم ، أنتم من يدفع المواطنين والمسحوقين للموت والانحدار في الجريمة والفقر والمخدرات ويدفع بالنسوة للدعارة والابتذال ثم تعايروننا بأننا شعوب رخيصة وشعوب لا تستحق الكرامة ولا معاملة الإنسان .
ما الذي تفعلونه بنا ؟ ألم تنتهي التجارب المخبرية على هذا الحيوان ؟ ألم يكفي كل هذا القدر من القتل والاعتقال والسجن والتجويع والعيش في القفص الكبير ؟ ألم يكف كل هذا القدر من انتزاع الإنسانية وممارسة الوحشية ؟ ألم يكفكم أن شعوبكم تهرب في البر والبحر وتفضل الموت بين فكي البحروطوف خشبي على أن تبقى أسيرة قبضاتكم ؟ هل ترغبون في تقليص عدد سكان العالم العربي إلى الثلث أم الربع ؟ لماذا تحولون حياة الشعوب إلى جحيم وعذاب وشقاء لا ينتهي ؟ افعلوا مثل أصحاب الحفرة واقتلوا الشعوب مرة واحدة ولكن لا تصنعوا جرائم بحق حنان وأطفالها الأبرياء ، اقتلونا جميعا ولكن لا تعذبوا أرواحنا الحبيسة ولا تمسوا محرمات ما حرم الله ……..على كل يا سادتي هي لها سبعة أبواب ولكل منكم جزء مقسوم عى ما فعلتم وتفعلون بهذه الشعوب !
هل تسمعون بجهنم ؟ إذا كان هنالك من يشكك أو يظن أنها مجرد أسطورة فعليه أن يعيد حساباته جيدا كي لا تتضاعف خسارته قبل فوات الأوان ، جهنم التي خلقها الله هي كيان عقابي عذابي ، كيان متفكر ليست كأية أداة للعقاب لأنها حسب القرآن الكريم مفصلة لتخدم غاية واحدة : جزاء كل نفس شريرة بما قدمت وبما يليق بها من درجات العذاب التي لا عين رأت ولا خطر على سمع بشر ، جهنم هذه ليست فكرة فلسفية ولا هي خديعة عقائدية ، إنها الكفة الأخرى في وعي الفلسفة الوجودية من الميزان الذي يمنح هذا الكون وأحداثه حق التعادل وحق المساواة الضائع على الأرض وحق الجزاء الأوفى ، إنها شيء حتمي وضروري في ضمير الكون وإلا كان سيفقد هذا الكون عقله وفطرته ولن يتبقى من المؤمنين أحد .
هل تعرفون لماذا خلق الله جهنم ؟ ليست الإجابة بعيدة وهي ليست مجرد مسألة دينية فقط ، إنها حسابات رياضية وبعد عاشر وسادس عشر ومنطق فيزيائي كوانتمي تقود اليه كل معادلات العلم من الفيزياء الراقية وحتى الكيمياء المتوغلة والرياضيات الإلهية ، لقد خلقت كل الكائنات وسخرت بعظمتها وجبروتها لأجل الإنسان وتكريما لمقامه ومكانته في هذا الخلق فإن عبد وحمد و شكر فقد فهم وفاز وظفر برأس الكون ونال ما صنع لأجله وإن تجبر واستعلى وراوغ وكذب فلا شيء يمكنه أن يليق بعظيم ذنبه سوى كائن مثل جهنم التي أعدت لتليق بعظيم الذنوب ، هل تعرفون لماذا خلق الله جهنم ؟ لأن الحياة الدنيا ليست منصفة ولا عادلة ولا تتصف بشيء من مقاييس النزاهة وفي معظم المرات يفلت الفاسدون والمجرمون والمتآمرون من الدنيا بهيئة الفاتحين والمنتصرين والمخلصين لشعوبهم ويفلت العصاة والقتلة بقبور مزركشة وجنازات مهيبة ولذلك لا بد من وجود كائن اسمه جهنم ليسوي الميزان ويعيد الحق إلى مكانته الكونية ويكمل عدالة الخالق الذي لا تخيب الظنون في عدله .
هل تعرفون لماذا خلقت جهنم؟ لقد خلقت لتكون القدر الصحيح المكافىء على الكفة الثانية لحجم العذاب الذي اجتاح روح حنان وهي تقتل أطفالها أو روح الأب الذي ألقى بنفسه من فوق الجسر لأنه لا يملك القدرة على الإنفاق وتشنشل بالديون التي تطارده ، لقد خلقت لتسد الديون الهائلة التي تفوق جبال العالم من خطايا البشر التي يدفعون إليها على يد الأنظمة العربية ، لقد خلقت جهنم لتمنح الضحايا من الأطفال وغرقى البحر وموتى السجون الجرعة الصحيحة من حقيقة العدالة وشربة الحق التي لا يوازيها إلا هي ! لقد خلقت لتلبي صيحات المعذبين والمحرومين والتي لم يسمعها احد ولم يلبها منقذ ، لقد خلقت لتلبي الثأر اللائق بحنان و ملايين الأطفال المقيمين في الجنة والذين دفع بهم النظام العربي إلى الجنة قسرا وقهرا .
هل عرفتم لماذا خلق الله جهنم ؟ لقد خلقت خصيصا لتكون الملاذ اللائق بحكام الذل والمسؤولين العرب الذين استضعفوا شعوبهم وسرقوهم وسرقوا كرامتهم وحولوا هذه الأمــة إلى حثالة الخلق وأراذل البشر وأفسدوا فيهم كل ما منحه الخالق من جمال وقدرات ، إنها مخصصة لأولئك الذين مسخوا شعوبنا وجعلوا أبسط شؤون الحياة عذابا وشقاءا وظلما بينما تعيش الشعوب المناظرة بأحسن ما يمكن للحياة أن تمنح .
( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حق الدفاع الشرعى!

د. عبدالله الأشعل* قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال الأسبوع الأول من ابريل 2024 بتدمير القنصلية …