فاطمةالجبوري*
بعد خسارتها المذلة لحرب الأحد عشر يوما في غزة، يبدو بأنّ إسرائيل تخلّت نسبياً عن استراتيجيتها الدفاعية والتي تعتمد على التضليل وعدم تبني العمليات التخريبية في الخارج وعلى الأخص في إيران. ويبدو بأن حرب الظل التي استمرت لسنوات طويلة بين إسرائيل وإيران، تحولت اليوم إلى حرب ممتدة ومباشرة خارج الحدود بين الطرفين.
ما ساعد إسرائيل على التغلغل في العمق الإيراني وتنفيذ عمليات ضد العلماء النوويين أو أعضاء في الحرس الثوري الإيراني هي الحدود الجغرافية الإيرانية الواسعة التي تربطها بدول الجوار (تركيا وأفغانستان وأذربيجان والعراق..إلخ). ناهيك عن أن مراقبة هذه الحدود مهمة شبه مستحيلة. والمحدد الثاني هو العدد السكاني الهائل لإيران. بينما على الجهة المقابلة فإن إسرائيل وبحكم صراعها التاريخي مع الدول العربية (سوريا ولبنان ومصر) وبحكم الحدود البرية القصيرة التي تربطها بهذه الدول، فإن مهمة مراقبة الحدود أمر ميسر لها بالإضافة إلى عدد السكان القليل الذي يعيش في إسرائيل بالمقارنة مع الكثافة السكانية الإيرانية.
بعد عملية اغتيال (حسن صياد خدايي) العضو في الحرس الثوري الإيراني، تزايدت الأسئلة حول محورين: الأول: الاختراقات الأمنية التي تعاني منها الأجهزة الأمنية الإيرانية؟ والثاني حول ماهية وطبيعة الرد الإيراني؟
للإجابة على تساؤلات المحور الأول يجب القول بأنّ هناك ثغرات أمنية في التركيبة الأمنية لإيران وهذا ما دفع الحكومة الإيرانية إلى تشديد القبضة على مفاصل القوى الأمنية وإحباط العديد من محاولات الاختراق أو الاغتيال التي تسعى إسرائيل لتنفيذها في العمق الإيراني. وهنا يجب الإشارة إلى موضوعين في غاية الأهمية الأول هو أن العمليات التي نجحت إسرائيل في اختراق إيران هي 1 بالمائة فقط، بينما يتم كشف العديد من العمليات الإسرائيلية وإحباطها والقبض على المنخرطين فيها. ولا تعلن الحكومة الإيرانية عن هذه العمليات بسبب ضرورة الكشف عن الشبكات الجاسوسية المرتبطة بهذه العمليات. الموضوع الثاني هو عملية استبدال حسين طائب رئيس جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري الإيراني بمحمد كاظمي عوضا عنه. يروج أعداء إيران بأنّ هذه العملية جاءت نتيجة الخروقات العديدة في الصفوف الإيرانية، ولكن الحقيقة غير ذلك. إذ أن الهدف الرئيسي هو أن محمد كاظمي هو المسؤول المباشر عن الملف الإسرائيلي ولذلك تتطلب هذه المرحلة انخراط أكبر له في هذه العملية كما تعني عملية الاستبدال هذه مرحلة هجومية أوسع وأعمق من المراحل السابقة.
وأما عن المحور الثاني، فقد يبدو للعلن بأن ردود إيران تقتصر على الهجمات السيبرانية ضد مراكز حساسة في إسرائيل وهذا غير صحيح أيضاً. إن ردود إيران تتمحور حول استراتيجية ثابتة وهي تحويل الشرق الأوسط والأراضي الفلسطينية المحتلة إلى جهنم بالنسبة للإسرائيليين وهذا ما نشهده بشكل يومي. منذ اغتيال خدايي والسفارات الإسرائيلية تعيش حالة استنفار دائم في جميع أنحاء العالم كما رفعت إسرائيل مستوى الخطر الأمني إلى أعلى مستوياته في قنصلياتها وسفاراتها. كما يعيش أكثر من 100 ألف إسرائيلي حالة ذعر مستمرة من انتقام إيراني محتمل في تركيا ووصلت حالة الذعر هذه إلى الحد الذي بدأ الإسرائيليون يترددون بالتحدث باللغة العبرية في الدول المستضيفة. من ناحية أخرى لا يجب الاستهانة بالعمليات السيبرانية التي يشنها الشباب الإيراني خصوصا بأن أخر هجوم نتج عنه اختراق لإيميلات ووثائق سرية وأمنية خطيرة للغاية تخص أعلى هرم القيادة الإسرئيلية.
إيران وبسبب تعقد المشهد في فيينا وصعوبة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نووي مع القوى الكبرى، والحرب الأوكرانية التي تستغلها طهران لإيجاد خرق في العلاقات الإسرائيلية الروسية كلها محددات هامة تدفع طهران للتكتم على العمليات الأمنية والعمليات الانتقامية التي تنفذها ضد إسرائيل وفي العمق الإسرائيلي. يؤمن الإيرانيون بشكل عميق بأن الرد على الغطرسة الإسرائيلية لا يتم إلا بعمليات استهداف للداخل الإسرائيلي وحسب. وعليه فقد نشرت وكالة تسنيم الإيرانية رسماً بيانياً يوضح العمليات التي تعرضت إليها إسرائيل خلال شهر واحد فقط، وبلغ عدد هذه العمليات في الداخل الإسرائيلي أكثر من 29 عملية أغلب هذه العمليات هي حرائق في مراكز إسرائيلية حساسة استهدفت مخازن غذائية وخطوط النقل والمناطق الصناعية كما تضمنت هذه العمليات هجمات سيبرانية استهدفت محطات الكهرباء وصفارات الإنذار ووثائق هامة للجيش الإسرائيلي والمسؤولين الإسرائيليين.
*كاتبة وباحثة عراقية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر