الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / إلى أين يُجر الأردن والأردنيون؟!

إلى أين يُجر الأردن والأردنيون؟!

فؤاد البطاينة
هناك منشورات قاسية ومرعبة ترمى في الساحة الأردنية من قبل جهات غير واضحة الهوية تتهم النظام ورموز وطنية بالتأمر على القضية الفلسطينية وعلى الدولة الأردنية وهوية شعبها السياسية وباعتقادي أنها جهات من داخل مؤسسات النظام. والصحف الأجنبية المعادية أخذت تتحدث عن مخطط المملكة الفلسطينية الهاشمية وهو المصطلح الذي كان للسعودية سبق إطلاقه. وهذا بحد ذاته مهما حكمنا بتفاهته وعدم مصداقيته فإنه يصنع فتنة ويتسبب بشرخ كبير على الساحة الأردنية وسلامة جبهتها واستقرارها ففيه استفزاز واستنفار واضح للأردنيين في غير مكانه الصحيح. ومع أن النوايا السعودية فتنوية باتجاه النيل من النظام الهاشمي، إلّا أن الهدف الصهيو أمريكي مختلف ويريدها فتنة وحرباً أهلية في الأردن بهدف تمكين المخطط الصهيوني من مساحة وعد بلفور التي تشمل الأردن وهو ما يستلزم مسبقاً نزع فكرة الهوية الأردنية المرتبطة بالأرض الاردنية أو الدولة، تماما كما تمت محاولات نزع هوية الفلسطيني المرتبطة بالأرض الفلسطينية. نحن نؤمن بأن الشعب الفلسطيني على رأس قائمة شعوب العالم تمسكاً بوطنه وأرضه ولا يقبل الدنيا كلها بديلا عن فلسطين، ولا إسرائيل تقبل دولة فلسطينية على حدود فلسطين، ولا تتخلى طوعاً عن بسط نفوذها على الأردن وامتلاك قراره، ولا تفرق بين فلسطيني وأردني. ولا عربي وعربي
تدمير الجبهة الداخلية هي محل رهان للعدو وللمتآمرين في أي دولة، وجبهتنا الداخلية ما كانت يوما غير تحت الاستهداف الناجح. حيث ما زالت نخبنا الوطنية مستعصية على الإلتئام والتماسك بين مكونيها الرئيسين رغم وحدة الاستهداف والمستهدفين. وبما يكرس غياب وجود شعب وكتلته الحرجة. وبالتالي إيغال العدو الخارجي والداخلي بإنجاح تكاملية المشروع الصهيوني في فلسطين والأردن دون معيقات. لا شك بأن العدو الصهيو\ أمريكي وقبله البريطاني قد خطط واستخدم النظام لصنع أسباب التفرقة والتمييز والفتنة بين المكونين حتى أصبح التحسس والفصل النفسي والإقليمية التي لا أساس لها في الأردن وفلسطين، وعدم الثقة ثقافة، شائعة في الأردن ولها مراكز تغذية. بل زرعت الفتنة مع بداية الوحدة بالتمييز في المواطنية بجهاز الدولة بين مناطق الأردن من شمال وجنوب وبدو وفلاحين وليس فقط على صعيد المكون الفلسطيني. فما أحوجنا لحملة إعلامية توعوية مضادة.
إن مشكلة الساحة الأردنية مُشكلة نخب معارضة في الأساس. وهناك حقائق يجب أن تتشكل حولها القناعة لتصل لعامة الشعب فهو ووطنه بالمحصلة الضحية. فالمكون الفلسطيني لم يأت للأردن لاجئاً ولا المكون الأردني طارئ أو مار على أرضه. فالأول جاء في عملية ضم للضفة الغربية مع الأردن أخذت شكل الوحدة ومضمونها على أساس من الحشد والتحرير ومواجهة المشروع الصهيوني وليس على أساس التخلي عن فلسطين. وأصبحت المملكة مكونة جغرافيا وسكانيا من الضفتين وبهذه الصفة وهذا المضمون تعاطى معها القانون الدولي ودخلت بعضوية الأمم المتحدة.. وبعد احتلال الضفة في عام 1967 مباشرة أخذت إسم الأراضي المحتلة من دولة، حيث من الواقع ووجهة نظر القانون الدولي هي أراض محتلة من المملكة الأردنية الهاشمية. وكان من واجب ومسؤولية حكومة المملكة أو نظامها أن يسترد هذا الجزء لسيادته أولاً وقبل أي عمل سياسي بغير هذا الإتجاه. وكانت هذه الفرصة متاحة من خلال قرار مجلس الأمن 242 الذي يقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام وعلى هذا الأساس استعادت مصر أراضيها ولم تفعل سورية ولم تقم هذا السلام مع اسرائيل، بينما الأردن أقام السلام معها لاحقاً بدون الأرض التي فقدها بالحرب. وكأن الضفة كانت وديعة لدى النظام وأعيدت عام 67.
فالمكون الفلسطيني اليوم في الأردن لسبب أو أخر تعدى تعداده نسبة الستين بالمئة تتركز أغلبيته في محافظة العاصمة، وهو ما يعطيه ميزة الكتلة المؤثرة على النظام والتي لم يستخدمها يوماً حتى في أحداث أيلول المشؤومة التزم بمؤاخاة الشعب الواحد. والحركة الوطنية الأردنية تتجاهل هذه الميزة الحاسمة وربما تتجاهل معاناة هذا المكون من جور وبطش النظام والتشكيك الظالم بأهداف سياسية له في الحكم، وتحت ضغط هذه التهمة المفتعلة لم يخرج للشارع يوما ثائرا على سياسة النظام أو بحق القضية الفلسطينية في الوحدة التي قامت عام 1950 على مبدأ الحشد لتحرير فلسطين المحتلة عام 1948. وبقي صامتا على انخراط النظام بالتعاون السري والعلني مع الإحتلال. كما رضخ لتبعات فقدان الضفة عليه ولتبعات فك الإرتباط معها وهي محتلة دون ذنب له ودون استشارته. بل عانى وما زال يعاني من ملاحقته والتشكيك بوطنيته حتى عندما يعبر عن فلسطينيته أو عن حنينه لفلسطين أرض أجداده ومرباهم. والله أنها لجريمة أخلاقية قبل أن تكون وطنية أو إنسانية، وما هذه المفارقة الإعجازية عندما أقول أنا فلسطيني أتهم بعدم أردنيتي وعندما أقول أنا أردني أتهم بالتخلي عن فلسطين. وجاءت أوسلو وتبعتها وادي عربة. ليتكرس بالمعاهدتين احتلال الضفة ووقوع الاردن والسلطة الفلسطينية تحت الهيمنة الصهيونية على المكشوف. هذا تقصير من المكونين ولكن، لنسأل أنفسنا، ماذا لو هب أحد المخيمات في الشارع محتجاً على سلوك النظام السياسي أو غيره، فهل الحكومة والأجهزة ستأخذ هذا كحق مشروع له أم ستفسره تمردا واستقواء هدفه زعزعة الاستقرار والطمع في السلطة في اسطوانة مشروخة ثمنها ابتلاع الأردن والأردنيين مع فلسطين والفلسطينيين.
هذه المحاذير مقدرة، ولكنها ليست أكبر من قضية فلسطين الوطن وهي تصفى بذبح الأردن الوطن، فمع تزايد الهجمة والنجاحات الصهيونية في تنفيذ مشروعها التكاملي في الأردن نشهد نخباً وشخصيات هذا المكون الفلسطيني لا تفضل ولا ترغب بالمشاركة بأي مواجهة أردنية مع النظام بأكثر من إدانة اتفاقيات تطبيعه مع إسرائيل. وتتعامل مع حراكات ونخب تنظيمات المكون الشرق أردني بحذر شديد وبمشاركات فردية ورمزية، أو بمشاركات حزبية انتقائية لا تخرج عن المجاملة الوطنية والسياسية. ونشهد لتاريخه القاعدة الشعبية العريضة جدا للمكون الفلسطيني ما زالت لا تجد نفسها معنية بالصراع أو الحراك الداخلي طالما أنه ما زال يقوم على “المطلبية ” والبحث عن الوظائف الحكومية وفرص العمل. فهذا حقاً لم يعد يعنيها ولا يجب أن يكون هاجساً لهذه الحراكات فوق هاجس الوطن وفقدان دولة على مذبح المشروع الصهيوني. نعلم بممارسة النظام وحكوماته وكبار موظفيه لسياسة التفرقة الإقليمية والفتنة بين المكونين لعقود مما جعل من هذه الجموع الواسعة من المكون الفلسطيني تُحوصل انتماءها لفلسطين وقضيتها وترك الشأن الأردني. ويثار هنا السؤال المفصلي، هل عدم تشجع المكون الفلسطيني للإنخراط مع المكون الأردني بمواجهة تفكيك الدولة بالفساد واستباحة العدو الصهيوني لها وانفراد النظام وتورطه في هذا يصب في صالح القضية الفلسطينية وملفاتها أم يُطبق عليها ؟ وألا يؤدي سقوط الأردن بحضن اسرائيل إلى إحكام القبضة الصهيونية على فلسطين وعلى المقاومة؟
وبالمقابل فإن قيادات نخب المكون الأردني الوطنية والمعارضة تجنح للتعلق بماضي الدولة ومكاسبها وثقافتها وتحاول اللحاق بها بدلا من الإنقلاب عليها. وتجنح لاستمرار تعلقها الإستخدامي بالعشائر التي تركتها الدولة في حالة التفتيت والعجز والتهميش، وهذا ما جعل هذه النخب تتأبط قُصر النظر السياسي، حتى أصبحت القاعدة الشعبية أسيرة لأجندات ومصالح هذا النخب وتشتتها وبُعد خطابها عن لغة الوطن ومكمن الجرح ضمن الحالة الأردنية الغاطسة في استعمار احتلالي إحلالي صهيوني واحتياجاتها السياسية. فهي تمعن بعدم الإلتئام لتشكيل قالب سياسي معارض وموحد من ناحية، وتتجاهل حيوية ومركزية الإنفتاح على ثقل المكون الفلسطيني وحيوية العمل المشترك وتكتفي بعبارة ( الجماعة رافضين، الجماعة ما بدهم ) دون الإصرار المطلوب لتذليل الأسباب وكأن المسألة أقل قيمة من مصلحة عشائرية. إنها تبدو نخباً مدجنة على مصالحها الشخصية وضعف الإنتماء، وكأنه لا يكفينا عبرة من نخب ورموز النظام من عشائرنا الذين لاذوا بنهبهم وحصتهم من تفكيك الدولة ورهنها للعدو تاركين ناسهم وحدهم في العوز والجوع والسجون يواجهون قدرهم. ولا أبرئ رموز المكون الغرب أردني ورجال الأعمال أو النظام من الفساد، ولكني أجزم بأنهم لم يفتكوا بهذه الدولة بربع حجم ما فتك بها أقرانهم من المكون الأردني.
لا يلام النظام بما يفعله من دون معارضة شعبية حقيقية وممأسسة يراها، ولا نريد مصلحة عشائرية أو وطنية بين كل مكونات الدولة الوطنية، لكن هناك شيء يتلاقى عليه حتى ألد الأعداء هو تقاطع المصالح. وبهذا أقول وأكرر لهذه النخب والمعارضات إذا كانت تمتلك الحد الأدنى من من الإنتماء وحسن النية السياسية والوطنية، بأن هناك مئة وعشرين زعيم لحزب وتنظيم سياسي أو حراكي، لماذا لا يبقون على مؤسساتهم ومراكزهم وايدولوجياتهم ومكاسبهم كما هي، ويشكلون بموازاتها من شخصياتهم قيادة معارضة سياسية ممأسسة باسم الشعب كله على أجندة واحدة عدم الإلتقاء عليها كنقطة تقاطع خيانة، وهي الحالة الأردنية والمرتبطة عضوياً بالقضية الفلسطينية والمشروع الصهيوني.

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …