الأربعاء , سبتمبر 28 2022
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / المطلوب قطيعة مع المستعمِر نفسه وليس مع لغته فقط

المطلوب قطيعة مع المستعمِر نفسه وليس مع لغته فقط

بوشعيب أمين*
لا يزال هاشتاغ أو وسم “لا للفرنسة” الذي أطلقه عدد من النشطاء المغاربة من أكثر الوسوم تداولا في الترند المغربي على موقعي “تويتر” و”فيسبوك” خلال الأيام الجارية، حيث اختار هؤلاء الناشطون عريضة قصد التوقيع عليها في أحد أشهر مواقع العرائض العالمية، عنوانها ”نعم للعدالة اللغوية في المغرب ولا للفرنسة”، والهدف من هذه الحملة الإلكترونية التي لاقت تجاوبا كبيرا، هو كما جاء في العريضة: ”مأسسة قطيعة مع لغة المستعمر” مع العمل على “التدريس بالعربية، اللغة الرسمية والأولى في المملكة المغربية، التي تعبّر عن المشترك اللغوي بين مختلف مكونات شرائح البلاد”
والحقيقة أن هذه الحملة ليست وليدة اليوم، ولكنه نقاش يتجدد في كل مناسبة، خاصة قبل كل موسم دراسي، حيث توجه الدعوة إلى رجالات ونساء قطاع التعليم من أساتذة وإداريين ومفتشين تربويين وآباء وأمهات، ومختلف مؤسسات المجتمع المدني، وجميع الهيئات والمؤسسات التي تهتم بمستقبل البلاد وأبنائها، من أجل الضغط على أصحاب القرار لرفع هذا الظلم الكبير والتوجه الخطير الذي لا يخدم بتاتا حاضر ومستقبل التلاميذ، ويُنبئ بفشل ذريع لمنظومة التعليم ومزيد من التراجع للبحث العلمي والانحدار لمستوى التعليم العالي” لكن الجديد هذا العام هو إطلاق هذا الوسم ” لا للفرنسية” الذي عرف تفاعلا كبيرا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن هناك من يذهب أبعد من ذلك، حيث يعتبرون أن المغرب لا يزال تابعا للوصاية الفرنسية رغم مرور سنوات طويلة على استقلاله، وأن مسألة التبعية اللغوية ليست إلا جزءا من التبعية الشاملة للمصالح الفرنسية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي أو غير ذلك، وأن ماضي الاستعمار الفرنسي في المغرب رهيب جدا، لا يمكن تجاوزه أو السكوت عنه مهما طال الزمن، فالمغاربة لم ولن ينسوْا ما قامت به فرنسا من احتلال لأرضهم ونهب ثرواتها، ولن ينسوا القمع والتنكيل بأجدادهم وتجنيدهم للحروب التي خاضتها فرنسا خارج المغرب، سواء خلال الحربين العالميتين في مواجهة النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، أو خلال الحرب الاستعمارية في الهند الصينية ضد الشعب الفيتنامي، حيث خلّفت هذه الحروب آلاف القتلى من المغاربة، وآلاف الأسرى وآلاف المعطوبين.
وحسب رأيي المتواضع، أن أخطر ما قامت به فرنسا، وهو الشيء الذي لا يزال ينكأ الجرح المغربي الدامي إلى يومنا هذا، هو أنه حينما أدركت فرنسا أن الاستعمار لا بد أن يأتي يوم ويرحل، كان لا بد من إبقاء السيطرة المعنوية والثقافية على الشعب المغربي، عملت على تأسيس ما يسمى “حزب فرنسا” في المغرب” أي الانتقال من استعمار تقليدي إلى استعمار حديث من خلال اختراق النخبة السياسية والمثقفة، وجعلها تابعة لها ومدافعة عنها. وبذلك تكون كل مصالحها محفوظة، واقتصادها يستفيد بشكل دائم من الخزينة المغربية. وها نحن نرى رأي العين، هذه النخب التي صنعتها فرنسا، هي التي تحاول اليوم إعادة كتابة التاريخ بشكل انتقائي يتسق مع العلاقات القائمة اليوم مع فرنسا، في تجاهل واضح للجرائم الفظيعة التي خلفتها في المغرب، ويتجلى ذلك بمنتهى الوضوح في المراجعات العميقة والصادمة التي قامت بها فئة كبيرة من النخبة المتفرنسة بشأن تاريخ فرنسا الاستعماري، وإنكار أجزاء منه والتعامل بانتقائية معه، من خلال تسمية مرحلة احتلال فرنسا ب”الحماية” في نسيان متعمّد لكل ما اقترفته فرنسا من استنزاف لخيرات المغرب وامتهان كرامة الشعب المغربي وقمعه وتجريده من حقوقه وحريته، فماذا يمكن أن نسمي كل هذا إذا لم تكن استعماراً بغيضاً؟ إن ما ارتكبته فرنسا من وحشية في حق الشعب المغربي، وكذا الشعوب الأخرى التي استعمرتها، لا يمكن التغاضي عنه، لأنه يصل إلى مرتبة جرائم ضد الإنسانية، والتي لا يمكن قطعاً أن تسقط بالتقادم أو الإنكار.
لذلك لا يجب فقط، إطلاق وسم “لا للفرنسة” ومأسسة قطيعة مع لغة المستعمر، ولكن يجب رفع شعار قطيعة شاملة مع المستعمر نفسه، ومع النخب المتفرنسة التي تزال في مراكز القرار، مع إجبار الدولة الفرنسية على الاعتراف بجرائمها الوحشية في حق المغاربة، وتعويضهم على النهب الممنهج لخيرات بلادهم وثرواتها خلال سنوات الاحتلال، مع الاعتذار عن كل ما اقترفته في حق الشعب المغربي.
فلاش: في شهر فبراير الماضي غادر السفير الفرنسي في باماكو جويل ماير مالي مطرودا بعد أن أمهلته 72 ساعة لمغادرة البلاد، وهو ما اعتبره كثير من المراقبين تطورا ملفت النظر في العلاقات بين فرنسا ومستعمرتها السابقة التي حملت لعقود كثيرة اسم “السودان الفرنسي”. وبداية لحكام باماكو الجدد الخروج عن الطوق الفرنسي، حيث تغيرت لهجة خطابهم مع المستعمر الفرنسي وطالبوه بمراجعة الاتفاقيات التاريخية، والتي رأوا أنها تنتقص بشكل كبير من سيادة مالي. كما طالبوه بسحب قواته العسكرية ومغادرة البلاد. فهل يستطيع الحاكمون في المغرب أن يحذوا حذو حكام مالي؟ نتمنى ذلك والأيام كفيلة بالإجابة.
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …