عبد الحفيظ بن جلولي*
الهمو – ماني homo-mania، كلمة منحوتة من كلمتي مثلي (هومو) وألمانيا (مانيا)، للتّعبير عن التّكريس المبتذل للدّور الألماني في مناصرة المثليين خارج أخلاق احترام الآخر في عقيدته ومبادئه وقوانينه.
كرة العالم التي ألهبت عواطف الجماهير وأصبحت الرّقم الصّعب في العلاقات والسياسة الدوليتين، أظهرت وبشكل لا يحتاج إلى عميق نظر أنّ الدول الكبرى غير مستعدّة لأن تتخلى عن ريادتها وأولويتها في العالم، إذ بعد الثورة الصّناعية والإعلامية والرّقمية تأسّست المنظومة الأوروبية على “الإخضاع” المبرَّر بالنّسبة لها، ولعل فكرة “الغويم” عند اليهود، الصّفة المحتقِرة لباقي البشر من غيرهم، باعتبارهم “شعب الله المختار”، تسري في الوعي الغربي باعتباره “خالق” الثورة العلمية والترفيهية بمميّزاتها العقلية والاقتصادية والثّقافية، وبالتالي فهي حكرا له، لا يجوز المساس بها من أي دائرة مختلفة عنه في الجوهر الثّقافي والأيديولوجي (العقدي)، ويبدو هذا هو السّبب في مواجهة “قطر” لا باعتبارها الدّولة الغنيّة الصّغيرة، ولكن باعتبارها دولة مارقة تخطّت معايير التحكّم في مصير العالم بتملّكها لـــ “عتاد الحداثة” الذي أهّلها إلى استضافة مباريات المونديال.
ألمانيا ولاشعور “التّعنين”:
المانيا دولة غربية تشعر أنّ أي مساس بتفوّق الغرب هو مساس بفحولته، وهذا له خلفيات تاريخية تتعلق بظاهرة “هتلر البطل” “المنتصب” أمام “عنينية” العالم بأسره الخاضع لهيمنة الفحولة الألمانية الآرية، فانكسار النّموذج الألماني أمام سيطرة الحلفاء التامة على ألمانيا وهدم نموذج فحولتها وإخضاعها لنموذج “التّعنين” في محاكمات نورمبوبغ، جميعها من ترسّبات “وعي الهزيمة” الذي تحاول مداراته بكسر “فحولة” أي نموذج قائم بركوبه وإخضاعه للمسار التّاريخي الذي تعرّضت له في تعنينها من قبل قوى الغرب المنتصرة. تاريخيا، يقال أنّ داخل كل ألماني هناك عنصري يترصّد العالم، لأنّ هتلر لم يكن فردا بل مجموعة قيم توافقت عليها الجماعة الألمانية.
فالخروج المذل لها من مباريات كرة العالم، والذي عدّته بعض الصّحف الألمانية غير معزول عن إخفاقات سابقة، كأس العالم 2018، كأس أوروبا 2021، جاء ضمن هذه الاستراتيجية التي لعبتها خطأ في ملعب غير ملعبها، بل يختلف عنه جذريا أخلاقيا وقيميا، إذ مهمّتها لم تكن رياضية بل كانت شذوذية بامتياز، فدورها “السّادي” Sadique الذي أرادت به بلوغ نشوتها ومتعتها بتعذيب الموضوع “قطر “، أدّى إلى نتائج عكسية بتحوّل “السّادي” إلى “مازوخي” Masochiste بسبب تفوّق الموضوع، وهذا لا علاقة له بالموقف السياسي من قطر، وكل ما يمكن أن يقال فيما يتعلق بالحرّيات والدّيموقراطية وغيرها. ولعل ما يفسّر مازوخية ألمانيا وتلذّذها بتعذيب نفسها هو جوشوا كيميش أو ما أطلقت عليه بعض الصّحف “حفرة كيميش”، أو الخوف الشّديد من الانحدار الذي آلت إليه الكرة الألمانية.
المثلية وفكرة الهمو-مانيا:
لماذا حرصت المانيا على رفع شعار المثلية بدل الانهماك فيما حضرت لأجله إلى قطر؟
ليس من السّهل تفكيك ظاهرة المثلية أو “الشّذوذ” بمعناه السّودومي، أي تلك الظاهرة التّاريخية التي سادت منطقة “سدوم”، وقد أشارت الديانات الثلاث إلى الفساد الأخلاقي لأهلها وإتيانهم الرّجال من دون النّساء، وجاء الفعل sodomiser في الفرنسية للتّعبير عن الإتيان من الدّبر، وبالتّالي، يحتفظ الفعل بجذره التّاريخي المؤسَّس على الفساد، أو ما يشير إليه المعنى في القرآن بالخَبَث، فكل ما يناقض الطبيعي من السّلوك فهو خبث، وحتى التّوصيف القانوني بالفرنسية: فعل ضد الطبيعة acte contre nature.
ولأنّه “ضد الطّبيعة ” فهو يجمع بين متماثلين، أي بين رجلين أو امرأتين، وهو تعدٍّ على الدال والمدلول في مفهوم الأسرة التي تجمع بين مختلفين يجتمعان لتحقيق السّكن والمودّة والإخصاب كما يرى عبد الوهاب المسيري. يبدو لي أنّ الأساس في العملية من النّاحية النّفسية بالإضافة إلى المتعة رغم انحرافها الجنسي هو الإخضاع، لأنّ العلاقة الطبيعية بين الرّجل والمرأة، تبدو فيها هذه الأخيرة موضوع اللذّة في مستوى من مستوياتها مشمولة بطلبها الحماية والرّعاية والتّحضين الرّجولي، فالعناق والهيمنة الجسدية عناصر تطلبها المرأة بإظهار خضوعها متعويا وطوعيا لأنّ العملية الجنسية برمّتها تتأسّس على هذا الجانب، أي إظهار الدّفء في العلاقة المشمول بالمتعة.
في العملية الجنسية المنحرفة، أو الفعل “”ضد الطبيع” أو الموصوف “عمل قوم لوط” في التصوّر الإسلامي، يتماثل المتعاطيان للمتعة، وفي مرحلة من مراحل العملية يهيمن فيها “الرّاكب” على “المركوب” بإظهار علامات الإخضاع والسّيطرة للإذلال، وهي حالة تستقر في مستويات نفسية لاواعية تُترجِم العمليات المصاحبة كممارسة العنف في إتمام السّيطرة أثناء العملية الجنسية المنحرفة.
عند هذا المستوى تتأكد “المثلية السّياسية” التي مارست تمظهراتها المانيا وكل المناصرين للشّذوذ القادمين إلى مونديال قطر، ولعل المانيا تكرّست صورتها في واقع المونديال من خلال وزيرة داخليتها التي كانت فاعلا أساسا في إبراز الدّعوة إلى الشّذوذ عبر إخفائها لشريط ألوان المثليين، وهو ما يقدّم تفسيرا سياسيا لتوظيف النّموذج المثلي سياسيا، إذ قطر قانونيا هي دولة وشعب وسلطة وإقليم، تتمتّع بالسيادة على أراضيها والحرّية في اتّخاذ قراراتها، والمثلية السياسية تهدف إلى متعة ركوب دولة ظهرَ دولةِ أخرى مثيلة لها، وهو ما أرادته المانيا في قطر من خلال إبراز مستوى الإخضاع والإذلال في مستوى تماثل الدّولتين، وهو ما يرومه الاستعمار، لأنّه غارة على دولة ذات سيادة، إذا هناك تماثل بين الدّولتين لكن الإخضاع في حالة التماثل يكون أقوى وأذل للدّولة المهيمن عليها كما حدث في العراق وليبيا.
إضافة إلى أنّ المثلية تندرج اجتماعيا ضمن استراتيجيات الوصول إلى “المليار المثالي” في سكان العالم، للحصول على المتعة دون تبعات الولادة، وهو ما يحيل في “اللاشعور السياسي” بتعبير ريجيس دوبريه إلى محاولات الإخضاع والهيمنة من قبل المسيطِر أو الذي يحاول السّيطرة في ظل ثقافة ومعتقد سائدين لكن دون إعارتهم أدنى اهتمام، أي الاحتقار دون تحرير أي مباردة للمواجهة من قبل “المركوب”.
قطر أو النّموذج التّفسيري للمثلية السياسية المفروضة:
تسييس الرياضة في مونديال قطر، بدا أنّ المبادرين إليه والفاعلين الحقيقيين فيه هي الدول الغربية، التي لا تمانع اليوم في الإعلان عن قصدياتها المبيّتة في الإخضاع والهيمنة وتكريس سلطة الغالب الأوّل صاحب اكتشاف العالم في ماهياته الصناعية والتكنولوجية والرّقمية.
عندما انتقد عالم الاجتماع المصري اليساري أنور عبد الملك الاستشراق في مقالته الشّهيرة “الاستشراق في أزمة” العام 1963، دافع غابرييلي ضد هذه الرؤية عن الاستشراق قائلا: “الواقع أنّه يحق للغرب أن يطبّق على الشرق مفاهيمه ومنهجياته وأدواته الخاصّة، كما يحق له أن يطبّق معاييره الخاصّة على ما ندعوه بالتاريخ والحضارة.. منذ أربعة قرون على الأقل كانت المفاهيم الأساسية للبحث العلمي قد بلورت في الغرب، وفي الغرب وحده”، هذه النّظرة الاستعلائية التي توحي وكأنّ العالم الآخر غابة من التوحش في غيبوبة من العقل، فمادام أنّ الغرب هو منتج المفاهيم والآليات، فله كل الحق في ممارستها وتطبيقها على غيره من الأمم باعتباره السيد، وهو ما تكرّس في مونديال قطر، إذ كل ما صاحبه من استفزاز وتحرّش بشخصية قطر الإبداعية والقادرة والمستوعبة لأصول اللعبة الدّولية في إدارة التّظاهرات الحاشدة، لكن وفق مبادئها وما تعتقده الأصلح لإدارة شأن التّظاهرة على أراضيها، وهنا جنّ جنون الغرب، فبدأ في نبش تربة بعض الظواهر التي تعتبر طبيعية في مضمار بعض المشاريع، كموت أشخاص أثناء عمليات الإنجاز، والتي يفصل فيها القضاء، ثم تعدّوا ذلك إلى ملف حقوق الإنسان، وغير ذلك من محاولات الغرب الدّاؤوبة للتحكم في الشّرق.
إنّ “الفيفا” وفق تصوّرات الهيمنة الغربية ما دامها إنتاج غربي أدّى إلى إبتكار “المونديال” ضمن مجموعة مؤسِّسة، فيكفي ذلك لأن لا تخرج دوراته عن الجغرافية التّاريخية التي تشارك في المصير والعقيدة والانتماء للمنزع اللبيرالي الغربي، وكل فضاء خارج هذا المجال يعتبر غير مؤهّل لأنّه لم ينتج الفكرة ابتداء، ويقع خارج فضاء الحضارة، ولأنّه كذلك فهو غير مطلع أو مستوعب للآليات والتّفاهمات والتصوّرات البدئية التي نتجت عن اجتماع الفيفا الأول في باريس عام 1904. تعتبر عناصر هذه المناكفة الحضارية من عوامل الإخضاع في اللاشعور السياسي في عملية المثلية السّياسية، إذ المتعة تحصل بالوصول إلى نشوة الهيمنة التي تحوّل موضوع المتعة من مثيل ندّي إلى مثلي منزوع الكرامة باعتباره مركوبا في مرحلة تالية يخضع بذلٍّ لهيمنة الرّاكب السياسي.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر