الأربعاء , مارس 18 2026
الرئيسية / اراء / بعد عام على حرب أوكرانيا!

بعد عام على حرب أوكرانيا!

د. حامد أبو العز*
عام كامل مضى على الحرب الروسية على أوكرانيا، في حرب توصف بأنها أبشع الحروب الكلاسيكية بعد الحرب العالمية الثانية. أوقعت المعارك 180 ألف قتيل أو جريح في صفوف الجيش الروسي و100 ألف في الجانب الأوكراني إضافة إلى مقتل 30 ألف مدني، وفق تقديرات نشرها رئيس الأركان النرويجي “إريك كريستوفرسن”.
واما عن الجانب المادي، فأهم الخسائر هي الأضرار التي أصابت البنى التحتية في كلا البلدين. فأوكرانيا على سبيل المثال خسرت بنيتها التحتية بشكل شبه كامل وذلك لإن الجيش الروسي استهدف البنى التحتية للطاقة الكهربائية واستهدف بنتيها التحتية العسكرية من مدرعات ومراكز لإطلاق الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي. وعلى الطرف المقابل فقد تم استهداف عصب الاقتصاد الروسي من خلال فرض عقوبات على تصدير النفط والغاز الروسيين وفرض حد أعلى لأسعار النفط والغاز الروسيين مما أجبر الروس على دخول السوق السوداء وتقديم تخفيضات مرتفعة جداً دفعت بعائدات النفط الروسي إلى الانخفاض بنسبة النصف مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب.
وأما ما خسرته أوكرانيا على الجانب الاقتصادي فيقدر بنحو 138 مليار دولار وانخفض معدل الإنتاج المحلي بنسبة 35% وتضرر القطاع الزراعي الأوكراني بأضرار بالغة تجاوزت 34 مليار دولار. والجانب الروسي خسر اقتصاديا كذلك، حيث تم تجميد الأصول والاحتياطيات المالية المملوكة لروسيا، سواء كأفراد أم كشركات أم كحكومة روسية. تعرضت روسيا لخسائر في عوائد الإيداعات المصرفية الاستثمارية في البنوك الأميركية والأوروبية وخسائر في انخفاض قيمة الصادرات السلعية والخدمية الروسية لدول التحالف الغربي. خسائر في قطاع النقل الجوي وشركات الطيران وخسائر في عوائد السياحة الغربية إلى روسيا. خسائر بسبب انسحاب عدد كبير من الشركات الغربية من المشروعات المشتركة في روسيا وتعرضت البنوك الروسية لخسائر اقتصادية كبيرة نتيجة حرمانها من نظام سويفت للمبادلات البنكية.
الغريب في هذ الحرب هو انعدام المبادرات الدولية لإيجاد حل سلمي لإيقافها. فباستثناء المبادرات التركية لمحاولة فض النزاع بين البلدين، لم نشهد خلال عام كامل أي مبادرة سواء من الطرف الأوربي أو من الطرف الأمريكي، ويبدو ذلك لإن الطرف الغربي يصنف نفسه كطرف منازع وليس كطرف وسيط.
بعد عام كامل أطلقت الحكومة الصينية مبادرة سلام مؤلفة من 12 بنداً لمحاولة إيقاف الحرب. تؤكد هذه البنود بشكل واضح وصريح على احترام سيادة الدول والشروع في عملية حوار للأطراف المتحاربة لوضع حد لهذه الحرب وتؤكد كذلك على إنهاء عقلية الحرب الباردة ووقف الأعمال العدائية بين الطرفين وإيجاد حل للأزمة الإنسانية هناك.
رحبت أطراف النزاع (روسيا وأوكرانيا) بهذه المبادرة مباشرة وأكد الطرفان على أهمية هذه المبادرة ولكن الأطراف الدخيلة في هذا النزاع رفضت المبادرة. حيث هاجم الرئيس الأمريكي هذه المبادرة ووصف فكرة التفاوض مع بكين بأنها غير عقلانية. واستدل بايدن على رفض المبادرة بالقول: “إن الرئيس الروسي بوتين يؤيدها فكيف يمكن أن تكون جيدة”. وأما أوربا فقد شككت بالمبادرة الصينية حيث أشار الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، في تصريحات للصحفيين، إلى أن بكين وقعت اتفاقية مع روسيا قبل أيام فقط من غزوها أوكرانيا قبل عام. وقال إن “الصين لا تتمتع بكثير من المصداقية، لأنها لم تكن قادرة على إدانة الغزو غير المشروع لأوكرانيا”.
كما هو ملاحظ فإن الحجج التي يقدمها الطرف الغربي لرفض المبادرة الصينية هي حجج غير واقعية ولا تستند إلى حقائق، إنما تأتي عملية الرفض هذه إلى رغبة غربية بإطالة أمد النزاع هناك وذلك من خلال تزويد كييف بمقدار معين من الأسلحة التي تساعدهم على الوقوف في وجه روسيا ولكنها لا تسمح لهم بالانتصار في هذه الحرب. عشية هذه المبادرة ترسل كندا أربع دبابات إلى أوكرانيا كمساعدة عسكرية.
لقد أصبحت الطريقة الغربية للتعامل مع الأزمات واضحة للعيان خصوصاً إذا ما استحضرنا النموذج الأفغاني وكيف أن القوات الأجنبية غادرت كابول خلال أيام ومن ثم قامت الولايات المتحدة بمصادرة الأصول الأفغانية وها هي تستخدم هذه الأصول لتقويض الحكومة الحالية هناك. ما يهم الطرف الغربي اليوم في أوكرانيا هو تكبيد روسيا أكبر قدر ممكن من الخسائر ولتحقيق هذه الغاية فهم ليسوا معنيين أبداً بحجم الخسائر الأوكرانية ولا هم معنيين بحجم المأساة التي يعاني منها الشعب الأوكراني.
ختاماً، لم يعد يخفى على أحد أبداً أن الحرب الكلاسيكية بين روسيا وأوكرانيا لا رابح فيها أبداً ولو استمرت هذه الحرب لعشرات السنوات. والمهم في كل هذا هو أنّ أطراف النزاع فهموا هذه الحقيقة، ولكن التدخلات الغربية تصرّ على رفض مبادرات السلام وإنهاء الحرب وتصرّ على إطالة أمد النزاع متجاهلين الأزمة الإنسانية والاقتصادية والعسكرية التي يعاني منها هذين البلدين منذ عام.
*كاتب وباحث سياسي فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

وهم استبدال العدو العربي بالايراني!

د. معن علي المقابلة* في أكثر من مناسبة يكرر بنيامين نتنياهو أن الدول العربية لم …