الجمعة , مارس 20 2026
الرئيسية / أخبار / قراءة متأنية لصفقة بايدن السعودية

قراءة متأنية لصفقة بايدن السعودية

د. رجب السقيري*
في مقاله بجريدة نيويورك تايمز خلال الأسبوع الماضي، كشف الصحفي الأمريكي توماس فريدمان عن عزم الرئيس الأمريكي جو بايدن على إطلاق صفقة قال فريدمان إنها عبارة عن معاهدة أمنية سعودية أمريكية يمكن أن تتحقق بموجبها مصالح عدة أطراف في المنطقة كما يمكن أن تغير اللعبة في الشرق الأوسط بل إنها، على حد زعم فريدمان، تضاهي في أهميتها معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.
ويمضي فريدمان في سرده للأهداف الاستراتيجية التي ستحققها الصفقة الأمريكية السعودية المزعومة ، والتي يؤكد بأن إنجازها يتطلب جهوداً كبيرة ومفاوضات مطولة، فيبدأ بإسرائيل زاعماً أن السلام مع السعودية بصفتها “الوصية على الإسلام”، سيحقق لإسرائيل عقد معاهدات سلام مع كل دول العالم الإسلامي، بما في ذلك الدولة المسلمة “العملاقة” أندونيسيا، وربما باكستان أيضاً.
أما السعودية فستحصل على ضمانة موثوقة لأمنها بحيث تقوم الولايات المتحدة بالدفاع عنها في حال تعرضها لهجوم من دولة أخرى (المقصود هنا إيران طبعاً)، أما عن مصلحة واشنطن في هذه الصفقة فتتمثل، حسب تقييم فريدمان، في تقليص العلاقات المتنامية للسعودية مع الصين إضافة إلى تحقيق إرث كبير لجو بايدن في السياسة الخارجية إذا ما نجح في إقناع إسرائيل بتقديم تنازلات “معقولة” للفلسطينيين . أما الطرف الأخير المستفيد من الصفقة المزعومة فهو الفلسطينيون حيث ستؤدي صفقة بايدن إلى الحفاظ على حل الدولتين.
بالون اختبار
كما هو واضح من السياق أعلاه فقد أراد فريدمان، وربما بناءً على طلب بايدن الذي اجتمع معه على مائدة غداء قبل نشر المقال مدار البحث عن الصفقة ، أن يطلق بالون اختبار لرصد ردود فعل الأطراف الأربعة المعنية حول مشروع الصفقة ، فإذا كانت ردود الفعل إيجابية سيقوم بايدن بإطلاقها وبذلك يكون قد حقق إنجازاً يساعده في الانتخابات الرئاسية في العام القادم ويزيد من فرصه في الفوز على أكبر منافسيه وخصمه اللدود دونالد ترامب الذي ما زال يفاخر بتحقيق اتفاقات ابراهام ويعتبرها أهم إنجازاته.
جديرٌ بالذكر هنا أن بالون الاختبار هذا الذي نعتقد أن بايدن قد أوعز للصحفي فريدمان بنشره ليس موجهاً للجانب السعودي فقط (ومعه الدول العربية والإسلامية الأخرى) وإنما لكل الأطراف وعلى الأخص إسرائيل التي يفترض مهندس البالون السيد فريدمان أنها عازمة على ضم الضفة الغربية وأن مشروع بايدن المفترض يمكن أن يكون البديل الأفضل لها علماً بأن التنازلات المطلوب من الحكومة الإسرائيلية المتطرفة تقديمها سوف تكون تنازلات “معقولة” وطفيفة إذا ما قورنت بالمكاسب الهائلة التي ستحظى بها الدولة العبرية إذا تم التطبيع مع المملكة العربية السعودية ودول العالم الإسلامي الأخرى ، إذ أن المطلوب من إسرائيل استناداً إلى فريدمان أربعة أمور هي : (١) وعد بعدم ضم الضفة الغربية ؛ (٢) عدم استمرار الاستيطان وعدم التوسع فيه ؛ (٣) عدم شرعنة المراكز الاستيطانية غير المشروعة ؛ (٤) نقل بعض الأراضي الفلسطينية التابعة لمناطق C والواقعة حالياً تحت السيطرة الإسرائيلية إلى مناطق A و B لتكون تحت سيطرة السلطة الفلسطينية حسب اتفاقات أوسلو .
طبعاً لا يحتوي البالون العتيد على أي ذكر للدولة الفلسطينية أو لعاصمتها القدس الشريف ولا للوصاية الهاشمية على الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة ، و لا يشير إطلاقاً إلى مصالح الأردن أو الدول العربية الأخرى . كما أن الصفقة البالونية المزعومة لا تذكر شيئاً عن إنهاء الاحتلال ، بل إن كلمة احتلال لم ترد إطلاقاً في المقال مدار البحث رغم أن أهم الشروط المعلنة رسميا من قبل المملكة العربية السعودية للتطبيع مع إسرائيل هي إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية . ليس هذا فحسب بل إن بالون الاختبار يشير بطريقة خبيثة لا تخلو من تزوير الحقائق إلى “أن القيادة السعودية غير مهتمة بشكلٍ خاص بالفلسطينيين ولا تعرف تعقيدات عملية السلام” حسب زعمه .
ولكي يخفف فريدمان في مقاله البالوني من وطأة التنازلات الطفيفة المطلوبة من إسرائيل في الشأن الفلسطيني يشير إلى لقائه مع السناتور الديمقراطي “كريس فان هولن” عضو لجنة العلاقات الخارجية وعضو اللجنة الفرعية للاعتمادات ، التي تمول وزارة الخارجية الأمريكية ، وينقل عن السناتور هولن قوله أن مشروع الصفقة هذا سيواجه معارضة قوية من الديمقراطيين في الكونغرس (أي من حزب الرئيس بايدن) “إذا لم يتضمن المشروع بنوداً معرَّفة جيداً وقابلة للتنفيذ حول خيار حل الدولتين يوفر لكلا الفلسطينيين والإسرائيليين الحرية والكرامة” . ويتناسى فريدمان أن الرئيس بايدن نفسه خلال زيارته إلى بيت لحم في شهر تموز (يوليو) من العام الماضي قد قال إن “حل الدولتين ما زال بعيد المنال” مما يعني أن ذكر حل الدولتين في مشروع الصفقة لا يعدو كونه إشارة مجاملة خجولة لطمأنة الجانبين الفلسطيني والسعودي علماً بأن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وآخرها حكومة نتنياهو الحالية ، التي تعتبرها واشنطن الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة العبرية ، لم تلتزم بتنفيذ تعهداتها بموجب اتفاق أوسلو فكيف ستلتزم بالوعد (مجرد الوعد) بعدم ضم الضفة الغربية ؟
شروط السعودية للتطبيع مع إسرائيل
أما عن الشروط السعودية للتطبيع ، فبالإضافة للشأن الفلسطيني ، حسبما ورد في بالون الاختبار ، تريد السعودية : (١) معاهدة أمنية مع الولايات المتحدة على غرار معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) تقضي بقيام الولايات المتحدة بالدفاع عن المملكة إذا تعرضت لهجوم (من إيران) ؛ (٢) برنامج نووي مراقب من الولايات المتحدة (وهنا لا بد من التساؤل لماذا يكون البرنامج تحت الرقابة الأمريكية وليس تحت رقابة وكالة الطاقة الذرية كما هو الحال بالنسبة لجميع دول العالم التي لديها برامج نووية مدنية ؟ ؛ (٣) تريد السعودية ، حسب ما ورد في مقال فريدمان ، استيراد أسلحة أمريكية متطورة بما في ذلك أنظمة دفاعية ضد الصواريخ البالستية لتمكين السعودية من الدفاع عن نفسها ضد المنظومة الصاروخية الإيرانية الآخذة في التطور .
أما ما تريده واشنطن من الرياض فيلخصه بالون الاختبار بالتالي : (١) إنهاء حرب اليمن ؛ (٢) مساعدات سعودية “كبيرة وغير مسبوقة” للفلسطينيين في الضفة الغربية ؛ (٣) وضع حد للعلاقات السعودية الصينية ، بما في ذلك إلغاء قرار السعودية بقبول اليوان الصيني بدلاً من الدولار الأمريكي ثمناً لصادراتها النفطية إلى الصين ، إضافة إلى الحد من تعامل السعودية مع الشركات الصينية العملاقة لا سيما في مجال تكنولوجيا الاتصالات مثل شركة هواوي . أخيراً لا ينسى مهندس بالون الاختبار أن يذكر أن التحالف الأمني المزمع إقامته بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية استناداً إلى صفقة بايدن سيكون “الأول من نوعه الذي توقعه واشنطن مع دولة غير ديمقراطية منذ أن وقع دوايت أيزنهاور اتفاقية مماثلة مع كوريا الجنوبية (قبل أن تصبح ديمقراطية) الأمر الذي يتطلب موافقة مجلس الشيوخ” .
ردود الفعل على بالون الاختبار
رغم أن إسرائيل هي المستفيد الأول والأكبر من مشروع الصفقة كما وردت في مقال فريدمان إلا أن الأخيرة كانت أول من بادر لتوجيه انتقادات سلبية لمشروع الصفقة إذ نقلت الأنباء عن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي “تساحي هنغبي” أن الاتفاق مع السعودية ما زال بعيداً جدا ، أما “مئير بن شابات” الرئيس السابق للمجلس فقد قال إن التطبيع مع السعودية هدف مهم لكن ليس بأي ثمن وفي ذلك إشارة واضحة إلى معارضة إسرائيل للمطالب السعودية الثلاث ، البرنامج النووي السلمي والأسلحة المتطورة وإقامة الدولة الفلسطينية.
معارضة إسرائيل للبرنامج النووي السلمي للسعودية حتى لو كان بمراقبة أمريكية تستند إلى استراتيجية تل أبيب القائمة على منع أية دولة في الشرق الأوسط من امتلاك برنامج نووي سلمي أو غير سلمي حفاظاً على احتكارها للتكنولوجيا النووية ، علماً بأن تل أبيب تتبع سياسة عدم الاعتراف بامتلاكها لأسلحة نووية وعدم نفي ذلك والاكتفاء بالقول أنها لن تكون الدولة الأولى التي تدخل السلاح النووي إلى الشرق الأوسط ، علماً بأن إسرائيل واحدة من أربع دول فقط في العالم (باكستان والهند وكوريا الشمالية وإسرائيل) ليست عضواً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية كما أن منشآتها النووية في ديمونا لا تخضع للتفتيش الدولي . على الرغم من ذلك فهي ترفض وجود برنامج نووي سلمي لدى المملكة العربية السعودية حتى لو كان تحت الرقابة الأمريكية التي يفترض أن تمنح إسرائيل الاطمئنان بعدم تحول البرنامج السلمي إلى برنامج تسلح نووي ، وهذا يفسر لماذا دمرت إسرائيل المفاعل النووي العراقي (وهو ما زال في الصناديق) والمفاعل السوري ولماذا تعارض بشدة البرنامج النووي الإيراني مهما كانت الضمانات بعدم تحوله إلى برنامج تسلح.
من ناحية أخرى فإن إسرائيل تعارض بشدة تزويد أية دولة عربية بأسلحة تقليدية متطورة وذلك للحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل في مجال التسلح .
أما عن موقف إسرائيل من المطلب السعودي الثالث حول إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة ، فحدث ولا حرج ، ليس هناك أدنى شك بأن تل أبيب سترفض ما تسميه الصفقة “تنازلات إسرائيلية معقولة” للفلسطينيين وهي جميعاً أقل من إقامة دولة فلسطينية مستقلة وتقتصر كما ذكرنا أعلاه على وقف الاستيطان وعدم شرعنة المراكز الاستيطانية “غير المشروعة” وتسليم الفلسطينيين بعض أراضي مناطق C ، فكيف ستقبل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود ١٩٦٧؟
خلاصة القول أن المستفيد الأكبر من صفقة بايدن ، أي إسرائيل ، ترفض هذه الصفقة فكيف بالطرفين الآخرين الأكثر تضرراً واللذين لا يتوقع تلبية جزء ولو يسير من طموحاتهما ، أي المملكة العربية السعودية والفلسطينيين ؟ وعليه يمكن القول بكل ثقة أن هذه الصفقة قد ولدت ميتة ولا أمل في إحيائها إلا إذا شرب بايدن حليب السباع وضغط بقوة على إسرائيل لإقامة الدولة الفلسطينية وهو أمرٌ مستبعد جداً لرئيس يقول بكل فخرٍ واعتزاز أنه صهيوني .
*سفير سابق وباحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل انتهى زمن الطاعة الأطلسية؟!

سارة محمد مرزوڨي* لم يعد الصمت داخل التحالفات الكبرى يُقرأ بوصفه انضباطًا استراتيجيًا، بل كدلالة …