الجمعة , مارس 20 2026
الرئيسية / اراء / لماذا سننتصر مهما طال الزمان؟

لماذا سننتصر مهما طال الزمان؟

خالد شــحام*
مساء الخميس الماضي ومثل أية مرات أخرى معتادة كنت اتبضع مع نهاية يوم متعب في واحد من المتاجر الكبيرة ( السوبر ماركت ) المقيم في جوف مجمع تجاري يتجاوز ارتفاعه مائتي متر من الجشع البشري يدعى ( المول ) حيث يمكنك التجول في متاهة من المُضَلِلات والمغريات والأفخاخ الشرائية.
في داخل المتجر حيث البقالة ومستلزمات البيت الشمولية يمكنك أن تَجُرَّ عربةً ذات سـلة بالحجم المناسب لكي تشحنها بكل ما يلزمك وما لا يلزمك ، والعربة هنا هي التي تَجٌرُّك وليس العكس ، بمجرد الدخول وبدء التجول تقتضي قواعد الذكاء العولمي بأنك بمجرد قيادة عربتك داخل أروقة هذه المتاهة المحفوفة بكل المغريات والحداثة والأناقة والألوان والسيدات (الموديرن( والشباب ذي النصف وجه فإنك ولا شعوريا ستضطر لشراء عشرة أغراض لا تلزمك بمعية غرضين او ثلاثة أنت حضرت أصلا لشرائها ، إنها حرية العبودية المفتوحة المقررة في ثنايا السلوك المصنوع خصيصا لزمان العولمة الأمريكية والرأسمالية الغربية وشئت أم أبيت فهذا ما سيحدث .
في زاوية الفاكهة والخضروات وقفت لدقيقتين ربما في انتظار حركة بعض السيدات اللواتي كن يلتقطن ما طاب ولذ من الفاكهة ، كانت فسحة صغيرة لكي أتأمل هذا المشهد التراجيدي المعتاد بشدة ، تكتظ رفوف العرض بشتى أصناف الفاكهة المحلية والمستوردة من فراولة – إجاص – مانجا – توت أحمر وأسود – فاكهة استوائية مستوردة لا أعرف اسماءها – انواع متعددة من التفاح والتين ، في قسم الأسماك يمكنك ان تجد انواعا من الأسماك الطازجة ويمكنك ايجاد الأخطبوط والجمبري وجراد البحر والمحار والسلمون المستورد خصيصا لرفع معدلات الشهية والنهم وفتح بوفيه الطمع في وعي الزبائن ، في قسم العناية الجسمانية كمثال لا داعي لأن أحدثكم عن التنوع الهائل في مواد النظافة والعطوروالشامبو ومحسنات البشرة وكريمات التجميل والعناية بالشعر ، إن حُكما أوليا عقلانيا يقضي بأننا نعاصر قدرا وتنوعا من النِعم لم يكن ليحلم بها هرقل أو كسرى أو حتى ملوك العصور السابقة ، ثم يأتي السؤال الثمين : لأجل ماذا ولمن كل هذا النعيم ؟ لأجل ماذا هذا الفيض من تلبية الحاجات البشرية التي أساسها بسيط للغاية ؟ لا شك أننا امام جزء صغير من مشهد كبير ينطوي على معانٍ كثيرة ومخاطر نفسية لا يدركها أحد إلا المتفكرون .
إن خطورة هذا التنوع والاختيار والاغراءات الكثيرة أكبر بكثير مما تبدو عليه في جهتها الآمنة ، تبدو هذه وكأنها تمنح حريةً وايحاءا بالرفاه والتمكن من العصر ومعطياته ، لا شك أن كثيرا ممن يتجولون في هذا المتجر يظنون أنفسهم باشاوات أو أكاسرة وهم يتجولون بين الصفوف والرفوف ، إنها حرية ملوكية ولكنها دون أن ينتبه أحد معلقةٌ على طرف صنارة يبتعلها الباشاوات ولا ينتبهون أن اليد التي تمسكها من الطرف الثاني هي يد الشر المطلق المخفي ، إنها حرية تعطيك مساحة صغيرة لكي تلعب فيها وتشعر بأنك مواطن مثالي متفوق تنتقي ما تشاء لعصر العولمة ولكنها مساحة موضبة داخل سجن خفي القضبان أكبر مما نتصور جميعا .
إن خطورة هذا التنوع وهذه المعطيات تأتي من جوانب متعددة ربما لا يلتفت إليها أحد ، فهذا التنوع وهذه النعم دخلت في منطق ما يسمى دينيا بإسم ( البطر ) وهو سيكولوجيا مزيج محلى من التنعم فوق الزيادة مع انعدام الشكر والجحود وامتناع الاستحقاق مما يمنح روح الإنس التكبر والاستعلاء الواهم ، وثاني الأمور أن هذا التنوع في رفاه الاختيار ليس في جوهر الأمر إلا تحقيقا وتكريسا للفكر الرأسمالي الذي تتمحور عقيدته المركزية حول المادة والتكسب والالتهام بمطلق معانيه وأشكاله والذي يجري تعميمه اليوم مع النظام العالمي الجديد الذي يحاول ابتلاع البشرية كلها ، هذا تطبيق حرفي لعبادة وتقديس المادة ومتعلقاتها وأشكالها التي حذر منها الإسلام ووضع لها قوانينها وحجمها الصحيح ضمن أدبيات متنوعة من تهذيب النفس البشرية ، إن هذه الحرية في الاختيار من هذه النعم ليست إلا سجنا للذات وتعويدا لها على الضعف والخضوع والبحث المستمر الذي لا يتوقف عن المزيد ، وهذا المزيد هو الذي حرف بوصلة الأمة العربية وخدعها وجَرَّها إلى أفخاخ مميتة أضاعت فيها هيبتها وكرامتها وحولتها إلى واجهات شكلية من النعم المادية التي مقابلها ضاعت الأوطان والكرامة والشرف وصرنا جماعة رأسماليين ثم علمانيين أو ملحدين أو خليطا من كل ذلك نتنازل كل يوم عن خط إضافي او محظور سيادي وفُرِضَ علينا أن نقبل بما يطرحه بطريرك الرأسمالية الغربي من كل المثل والابتكارات الجديدة في عالم الحريات من مثل الانقلابات الجنسية واباحة العائلة والمراة والطفل والقبول بالمثلية والقبول حتى بحرق أسمى مرجعية دينية لم يكن مساسها شيئا حتى يمكن التفكير به ، لقد أحرقوا قرآننا لأننا دخلنا معهم نفق الجشع والمكتسبات وشاركناهم العقيدة المادية وتخلينا عن أعظم هبة جاء بها الإسلام وهي تعزيز فضائل النفس البشرية التي أخرجها من الحيز الطيني إلى الحيز النوراني الاعلى والأكثر قدرة على صون الإنسانية والبشرية .
في الحقيقة القصوى التي ليس من الممكن تصورها أن هذه الرفوف التي تغص بكل الأصناف وكل ما تشتهيه العين والنفس من الألوان والنكهات والملذات الحسية والجسدية والخدمية ربما هي ليست إلا نفس التفاحة التي أغرى بها ابليس آدم َعندما حقق طرده من جنَّة الله ، في الحقيقة الغائبة أن هذه الرفوف وما تغص به كفائض عن الحاجة واللزوم إنما هي السبب الأول للنار والخراب والحروب والشقاء في هذا العالم ، إنها سبب رئيسي في صناعة شق أو صدع اجتماعي مخلق خصيصا لانتاج طبقات اجتماعية بعضها يأكل من هذه الرفوف وبعضها يأكل مما تحتها ، في الحقيقة الاجتماعية إن هذه الرفوف وما تحمله من خيارات النعيم الفائض عن الحاجة تحولت إلى أداة لدفع المرأة والشاب في مجتمعنا إلى الهذيان والانفكاك والتمرد على إطار البيت والأسرة لأنها خلقت معيارا غير عقلاني لنمط المعيشة تصبح فيه المفاضلة منشارا يشتغل في مشتهيات النفوس التي تعيش وترى وتتأثر بهذه الاغراءات ، الحقيقة الأخرى التي يجب ادراكها أن الجشع المكوم على هذه الرفوف والمُخَزَّن على شكل طاقة وَضْعٍ في هذه الأطعمة وهذا الرفاه انتقل بفعل العملية الآسمى في الرأسمالية وهي (الالتهام) وتغلغل داخل الجسد والروح البشرية ولذلك تطور الجشع المادي بقفزات مهولة وأصبح الشاب / الشابة كمثال في زماننا لا يكتفي بالاقتران بفتاة وزوجة بل لن يشبع ذلك النهم سوى علاقة سرية خماسية أو ثمانية أو عشرية ، والجنس البشري تطور وتم فتح بوفيه خاص من الوان واشكال وذائقات الوساخة البشرية ، والعائلة لم يعد يكفيها تطوير وتكبير شهواتها ونزواتها بل يجب تضخيم الأنا في افرادها الى الدرجة التي يطالب الكل فيها بسفرات الى اوروبا وتركيا وكوريا وتايلاند والتهام المزيد من هذا العالم الذي يجب الاغتراف منه بلا هوداة ولا رحمة ، إنه قانون الغاب بحلته الادمية ، في الواقع لم تخلق الرأسمالية والعقيدة المادية وحشا ماليا فحسب ، لقد خلقت وحشا جنسيا ، وآخر غذائيا ،وأخر طربيا وفنيا ، ووحشا دمويا يهدر قيمة الحياة ولا يحترمها في سبيل الالتهام والامتلاك والاستحواذ.
الحقيقة المريرة المبيتة والكامنة منذ زمن طويل و الأولى التي تتناساها بعد دخولك ( المول ) او ( الهايبر ماركت ) أو ( السوبر ماركت ) كما تهمس لك شفتا العولمة الملقنة بأنك خسرت وربح ( المول ) أيها المتعولم مهما شعرت بأنك ظفرت بالحلوى والفاكهة ومستلزمات البيت الأنيقة والموضبة والخاصة بتدليل جسدك وشعرك ومعدتك ورائحة هوائك وكل هذه الديكورات التي اطلق عليها الدكتور المسيري رحمه الله ( علمنة الجسد ) ، الاكتشاف الثاني الذي تكتشفه هو أنك انت نفسك تحولت إلى مادة استهلاكية لا تختلف عن تلك المعروضة على الرفوف والصفوف ، كل هذه الأفخاخ قد وُضِعت لتحويرك إلى كيان استهلاكي لا تشبع ولا تقنع ، الاكتشاف الثالث الأكثر أهمية والأكثر عمقا ورميا في ظاهر الغيب هو أن هذا التسمم الروحاني بالمادة ومعانيها وقدسيتها وصل إلى مبالغ متعمقة قضى فيها على حبنا للأوطان والإنسان واستحوذ على البرمجة الفطرية السوية ولذلك تحولت كل معطيات حياتنا إلى أنماط من التكيف المادي ورياضيات ذكية في تحقيق الحلم الذي لا يمكن تحقيقه من الربح والخسارة وفقا لمعادلات تم إملاؤها من النهج الرأسمالي العولمي الذي نغرق فيه منذ ولادتنا وحتى مماتنا .
هذا المذهب الخفي الذي ابتلع الدين وفضائله وابتلع الأدب واللغة والعلوم والتاريخ والوطن ثم ترجم كل ذلك الى صور مكافئة باللونين الأسود والأبيض من وطنية وتدين وفضيلة كلها تشترك في كونها نمطا من البزنس وكلها تتربع في جوهرها عبادة المادة وتحويل الحياة الى مدخول ومصروف وحسب ، وبمعية هذه الفكرة الصغيرة المرعبة نكتشف مع مضي السنوات أن الثمن الفادح هو الاضطرار إلى التضحية بكل أشكال الفضيلة والرفعة التي جاءت بها الأديان ومن ثم نكتشف الاكتشاف الأشد رعبا وهو التضحية بالانسان ذاته وفقدان قيمته مع الوقت وتحوله الى مجرد سلعة واداة تستخدم في زمانها ومكانها فقط وبهذه الطريقة يجري الان رقمنة الإنسان في ظل النظام العالمي الجديد الذي يشق طريقه وسيكون الذكاء الصناعي الذي يعدوننا به هو الضربة القاضية التي سوف تُسلِّع الإنسان .
بهذه الفكرة الصغيرة جدا يمكننا ان نتغلغل في أعقد النظم المستعصية في بلاد العرب والعالم لتفكيك وتفسير عقد كثيرة ومشاهد غير معقولة ، الكيان الصهيوني الطارىء والدخيل على حياتنا وبلادنا هو مجرد ترجمة مجسدة للفكر المادي الغربي المجرد من أية إنسانية او فضيلة ، هذه الترجمة تحمل في باطنها كل معاني الحقيقة الوجودية الغربية القائمة على إنكار الله والدين والكتب السماوية واستبدالها بالقيمة المادية القائمة على تحقيق أكبر قدر من المكتسبات المادية المسببة للمتعة والقوة والسلطة والحرية المزعومة وكذلك تحقيق القدر الأكبر من المتعة الجنسية المطلقة بوصفها المكسب الثاني الأساسي في الحياة ، الكيان الصهيوني مهما بدا متدينا أو يدعي تمسكه بتعاليم التوراة التي تتبرأ منه ليس إلا حارسا علمانيا ماديا مجنونا ينوب عن تاريخ كامل من عبادة المادة ومتعلقاتها الرأسمالية ، إنه النائب الحاضر عن غائب غربي له تاريخ مجيد من القتل والذبح والسرقة وصناعة الإلتهام ، إن هذا الكيان لا يمثل إلا القبح الغربي ووكيله الحصري المجهز لحماية الحقوق المستقبلية في السرقة والقتل والاغتصاب ، إنه وحش يحمل في بطنه آثاما مروعة لم يَمْحُها التاريخ من ذبح وابادة الهنود الحمر ، ذبح واستعباد افريقيا على يد بلجيكا التي قتلت أكثر مما فعل الأمريكان ، حرق العالم وقتل ما لا يقل عن مائة مليون انسان في حربين عالميتين مهلكتين ، استعمار المغرب العربي الكبير وذبح الشعوب المغاربية وامتهان كرامتها وتحويلها لمختبر للتجارب النووية ، عرض البشر المستعبدين من افريقيا في أقفاص مقابل تذكرة للفرجة على ( حلقة الوصل بين القرد والإنسان ) ، حرق العراق واحتلاله وقتل اهله الأبرياء دون ذنب ولا مسألة ، هذا هو الكيان الصهيوني وهذا هو ما يمثله ، لهذا السبب فإن كل حسابات هذا الكيان هي في نهاية المطاف حسابات مادية بحتة متعلقة بجدول من المكتسبات من الطاقة والأراضي والمعادن والمياه ومساحات الزراعة ، ولا قيمة لأي شيء يتعلق بقيم أو فضيلة أو انسانية أو كرامة ، ما يهم هو كم مستوطنة يمكننا بناؤها ؟ كم من الدعم الغربي والآمريكي سيلزم لهذا العام ؟ كم فلسطيني يجب أن نقتل هذا الشهر ؟ كم صفقة حققها رئيس الوزراء وكم ربحا صنع كهنة الكنيست في جدول حساباتهم الشهرية ؟ كم عربيا تم قتله وكم مؤامرة تم تدويرها وكم فتنة تمت صناعتها للعرب ؟
العقيدة المادية الانتهازية الفيروسية هذه هي مصاب الحالة العربية بالضبط والفيروس الذي تسلل إلى الجيل الجديد من سياسيي زماننا حيث تحولت القضايا العربية إلى انواع من الغايات ذات النهايات الاستكسابية المادية ولهذا السبب مثلا لا يمكن لاجتماع الفصائل مع ما يسمى الرئاسة أن يخرج بأي شيء مفيد لأن اللعب والمفاصلة لا تقع تحت مظلة الكرامة والشرف الوطني بل تحت مظلة الاستكساب والمكاسب اللعينة والمخاسر القرينة ، نفس القصة يمكن سحبها على مسلسل الاقتتال في عين الحلوة ، وكذلك نحن خاسرون بجدارة في مسلسل حرق القرآن لأن الأمة التي سلمت ذقنها وتذوقت الخمر بصحبة مغتصبي الأمة لا يمكن أن ترد شرفها ولا تناكف عدوها الظاهر ولا الباطن .
في مقابل هذه الصورة المزرية من الانحطاط الانساني في حلته المادية المرفهة التي تتحامى بالقوة والعسكر الذين سرقوا كل شيء وفقا لنظرية الالتهام وبغض النظر عن الايديولوجيا المدعاة تبرز الهوية العربية الإسلامية في أبهى حلتها لتصنع الفارق الحضاري والكوني في جدارية التاريخ ليس بالقوة ولا العنف ولا الدماء ، هذه الفوارق الشاسعة التي لا يمكن تفسيرها وفقا للمنحى المادي الغربي يصنعها العربي أيا كان بالتصدق والتزكي والعدل والإحسان وصون الحياة والشجر والحجرولو بأصغر المستويات ، تصنعها المرأة الفلسطينية المحاصرة المجوعة في غزة عندما توزع من طعامها وزرع أرضها على كل جيرانها لأن حياتها ليست مادية وحساباتها ليست رأسمالية ، هذه الفوارق يصنعها فدائي يضحي بنفسه في معادلة غير معقولة وغير ممكنة في حسابات الرأسمال لأنه خسر الدنيا وكل ما فيها ولكن في حسابات ثقافتنا وكمومية الكون فقد قدم روحه بأعلى ما يجود دفاعا عن بلاده وشعبه وقضيته ، يصنع ذات الفارق أم فلسطينية تزغرد يوم استشهاد ابنها ، إمراة يستحيل أن يحتوي فعلتها أي تنظير مادي رأسمالي أو صهيوني حساباتي ، إنها ام الشهيد التي تزغرد لأن ابنها ارتقى أعلى الدرجات روحا وجسدا فداءا لله ولفلسطين ، هذا هو الانتصار الثابت المتغلغل الصاعد في ذروة المستقبل ، هذا هو سبب بقائنا والسبب الأساسي لهزيمة اسرائيل وجنود اسرائيل وحزب الشيطان في كل مكان من هذه الأرض .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حق الدفاع الشرعى!

د. عبدالله الأشعل* قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال الأسبوع الأول من ابريل 2024 بتدمير القنصلية …