السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / أيام “خير من ألف شهر”

أيام “خير من ألف شهر”

خالد شـحام*
هذه أيام ليست كمثلها كل الأيام ، عليكم أن تتذكروها جيدا لأنها الأيام الأكثر ثمنا في سنوات أعمارنا ، من يفوته هذا فقد فاته قطار العمر وراحت عليه أيام تأتي بها الكواكب كل ألف سنة ، العرب اليوم يرفعون رؤوسهم عاليا ، سنوات الهزائم والتآمر والتضليل والتحريف سقطت كلها مثل بنيان تداعى من القواعد ، شباب فلسطين ، شباب المقاومة ، الصابر على الألم والحصار والقتل والتجويع والسجن والامتهان يلقي على الأمة رداء الكرامة ليرتد إليها بصرها وبصيرتها ، الشباب الخلوق المؤمن بالله الذي يذكر الله ويحمل التربية العربية الإنسانية يصعد اليوم فوق هضبة الهزيمة الرسمية التي أكل عليها الدهر وشرب ليجدد رسالة شعوب العرب ويجدد رسالة التحرير والمجد للجيل العربي الجديد ، هذه الآيام اكثر ثمنا من أعظم الاحداث في تاريخنا المعاصر ولذلك وثقوها جيدا وشاركوها وعيشوا فيها بأعلى ما لديكم .
خلال اليومين الماضيين تحققت معجزات تتجاوز الفعل العسكري والسياسي والبشري ، لقد تمكنت المقاومة الفلسطينية من لملمة المشهد بأكمله لصالحها وتغلغلت في وجدان العالم أجمع خلال ساعات فقط ، كيف تمكنت المقاومة من كسب كل ذلك؟
لقد تم توثيق الأعمال البطولية بكاميرات بسيطة ومقاطع مصورة حقيقية تجسد الحدث ، مقاطع الفيديو هذه تحولت إلى جرعات فرح وبلسم شفاء ودواء للألم العربي في كل مكان وحازت على أعلى المشاهدات العالمية والعربية وكشفت زيف العدو ببث حي ومباشر، بل كشفت كل حقيقة القضية الفلسطينية .
إن عدد القتلى من الصهاينة يقترب من الألف قتيل والإصابات الفادحة ترتفع كل يوم ، هذه الأرقام تحكي لغة جديدة وعصرا جديدا لأنها شكلت متغيرا مرعبا في الوعي الصهيوني والامريكي وهي رسالة جديدة تماما في الحيز الاقليمي متعددة المعاني والارتدادت وأول المصدومين بها هو الإدارة الأمريكية .
إن حجم الضربة الفلسطينية أكبر بكثير من حجم المقاومة الفلسطينية المادي وهذا بدوره أنتج حجما اعلاميا هائلا للضربة الموجعة ، الكيان الصهيوني والراعي الخلفي وراءه يواجه الان مآزق متعددة لا تنحصر على المأزق السياسي والعسكري فحسب بل هنالك مأزق أخلاقي حول وضع غزة والقضية الفلسطينية التي تشابكت بطريقة أو بأخرى مع التململ من مشروع الحرب الأمريكية في اوكرانيا والاستنزاف الكامل لقارة أوروبا ، لقد بدأ المتعاطفون مع الكيان بالتململ من مصداقيته وادعاءاته واستنزافه لأرصدتهم وهم يرون القتل والحصار والاعتداء اليومي بلا نهاية ولا طائل ، لقد عادت قضية فلسطين الى الواجهة بعد أن وعد نتانياهو بأنه قد أنهاها قبل عشر سنوات وبشكل أو بآخر تتحول الحرب الأوكرانية من حيث لا يحتسب بادين وجماعته إلى رصيد وضاغط لصالح القضية الفلسطينية .
لقد تمكنت المقاومة الفلسطينية من اسقاط وتجاوز قيود المظلة العالمية المناعية للاستعمار الناعم بكل مكوناتها عندما كسرت كل الأعراف الإذلالية وحطمت التحصينات الواهية لأكاذيب الاتفاقات والأوعية القانونية التي تكبل يدي الشعب الفلسطيني ، تتألف المظلة الاستعمارية الناعمة من مكونات محكمة من الأكاذيب( القائمة على العدالة والديموقراطية وحماية حقوق الشعوب والأفراد وتهدأة الصراعات وحل الأزمات والصراعات ) وهي الآلهة الأمريكية وضماناتها الحمائية والمالية وأدواتها الاقتصادية ومؤسساتها الأممية – الشرعية الدولية الكرتونية التي يقوم عليها مشروع اوسلو الخياني ومؤسساتها الاستعمارية المسماة بالأسماء الناعمة والجذابة – قوى التهدأة والترويض العربية التي دهلزت على الشعب الفلسطيني طيلة الفترة الماضية بالتسكين والتخدير وبعض الفتات خدمة للمشروع الأمريكي -الصهيوني ، لقد تجاوزت المقاومة بفعلتها كل خدع الأوراق السياسية الصعبة والمقيدة والمعقدة وكسرت كل الحواجز المخصصة للبقاء داخل القوالب الكذابة لالف سنة قادمة دون نهاية .
خلال الأمس عقدت الحكومة الصهيونية اجتماعها المصغر وخرجت على الملأ بإعلانها الحرب على غزة وبعدها بقليل يطل علينا السيد بلينكن ليعزز ويدعم التوجهات الشيطانية لهذه الحكومة ، الأسئلة التي يمكن أن نطرحها هنا نيابة عن ضمير المقاومة الفلسطينية : ما هو الخوف الذي يعدنا به المجرم نتانياهو هو وعصابته المتزمتة ؟ ما الذي لم يفعلوه بالشعب الفلسطيني من قتل وإجرام ومجازر ؟ ما الذي لم يفعلوه من هدم المجمعات السكنية على رؤوس اصحابها وقتل عائلات بأكملها كما كل مرة ؟ من هو الذي لم يتعرض للقتل من الشعب الفلسطيني عجوزا أم طفلا أم إمرأة ؟ ما الذي سيهدد به السيد نتانياهو ؟ هل هم الجنود الأشاوس الذين لم يخوضوا معركة حقيقة واحدة سوى بالريموت كونترول وهم في حصون مشيدة ؟ هل هي ترسانة المخزون الامريكي في صحراء النقب التي تحولت بضاعتها الى عار في مقاطع الفيديو وتحطمت مع أول تماس أمام اصرار المقاومين ؟ هل هي الغارات الجبانة على بنايات مدنية محشور فيها الوف من الفلسطينين في مساحة محاصرة عربيا ودوليا وصهيونيا ؟ هل هو الدعم الامريكي الذي هلل به بايدن العجوز ؟ ولكن ألم يعصر بايدن كل مخازنه لاجل اوكرانيا؟
لقد تجاوزت المقاومة الفلسطينية العقدة العربية والعالمية والامبريالية ولم يعد الخوف واردا في قاموسها حتى لو تم حرق غزة عن بكرة ابيها ، لم تعد الهزيمة واردة في قاموس المقاومة لأن النصر تم احرازه مسبقا مهما كانت النتائج النهائية التي تؤول اليها الامور.
المقاومة الفلسطينية رمت مفتاح الخوف في البحر بإصرار وحزم ولم تعد تخاف أو تهاب ، هنالك ثلاثة محاور للضغط يتوقع أن يتم العمل عليها كلها بنفس التوقيت والموازاة مرتبة حسب خطورتها :
الضغط من خلال كتلة قنديل البحر العربي بكل لوامسها السامة والتي ستعمل على تقليص وتحجيم الانجاز الفلسطيني وتطويعه للعودة إلى نفس الصندوق مع بعض التخديرات والوعود الكاذبة والمكتسبات المادية التي بلا طعم ولا معنى.
الابتزاز بالمعابر والمدنيين والحاجات الانسانية العاجلة من العلاج والدواء والغذاء ومتطلبات الوقود والكهرباء .
القصف وايقاع أكبر عدد من الضحايا بين المدنيين الابرياء لإرغام المقاومة على قبول الشروط الصهيونية -الأمريكية .
إن العقلية الصهيونية المرحلية تفكر الان بالخروج من مأزق الحرج الفاضح الذي كسر كل الهيبة والبُنى الصورية السابقة وأسقط صورة الرجل الحازم وحكومته العصبية سريعة الحزم وقاسية الردود وتفكر ثانيا بإشباع رغبة الانتقام الداخلية في صفوف المجتمع القذر الداخلي ،إن حرق غزة لن يكون كافيا كما كل مرة لذلك تطلب الأمر استدعاء الموافقة الامريكية والاوروبية والحلفاء العرب الأقرب ، تصريحات الثعبان بلينكن بالأمس تكاد تؤكد نوايا أفعوانية للانقضاض ، لا نستبعد الاتساع لرقعة النار وايران في عين العاصفة و ليست خارج الحسابات على الاطلاق ، حسابات الكابينت الصهيوني داخل غزة لن تشبع جبنه وغروره لذلك سيكون الاشتباك الأكبر خارج غزة .
لقد سئمت شعوب العرب من مرحلة كاملة من الكذب عمرها مائة سنة كاملة ، مرحلة كاملة من الخداع والتزييف واستهلاك أعمار ومدخرات وثروات الشعوب العربية وسرقتها في أكبر مشروع استعماري يطلع به الأمريكان في المنطقة باليد الصهيونية ومخلفات سايكس-بيكو العربية ، المقاومة اليوم تضع ختمها على نهاية هذا المشروع في هذه الأيام المباركة التي لم يخلق مثلها في التاريخ العربي .
غزة على موعد مع الموت وظلال الطائرات الأمريكية المملؤة بالنفط العربي ، غـزة البطولة على موعد مع ليال عصيبة وقصف بحجم الجبال ، لكن غزة كبرت قبل كل ذلك وأصبحت مسرحا للحياة من خلال صفقة خالصة بين المؤمنين والموت لكي يمنحهم الحياة بشكل خارج حسابات البشرية ، الحياة لكل أمة العرب من جديد ، غزة اليوم تستصرخ العرب والعروبة والمسلمين من كل حدب وصوب ليبلوا نداء تحرير انفسهم وليس لتحريرها هي ، العرب الان على شرفة تاريخية لصناعة مستقبل جديد لهم ، وسيكون مشروع المقاومة الفلسطينية هو فاتح العالم الجديد لكل العرب.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

شكرا جوارديولا !

رشيد بورقبة* أثار موقف المدرب الإسباني غوارديولا اعجاب العالم أمس بمدينة برشلونة وهو يدافع بشراسة …