الجمعة , مارس 20 2026
الرئيسية / اراء / بداية العد العكسي لتحرير الاقصى ووأد الحلم الصهيوني!

بداية العد العكسي لتحرير الاقصى ووأد الحلم الصهيوني!

د.طارق ليساوي*
تلقيت قبل نحو يومين دعوة كريمة من إعلامية تونسية للمشاركة في تقييم أهم احداث سنة 2023 و توقعاتي بشأن 2024 ..و حاولت إعادة شريط الاحداث، و البحث عن عنوان كبير لهذه السنة الراحلة ، و لم اجد افضل من المسجد الاقصى ..
لن اهنئكم كما العادة بنهاية سنة و مطلع عام جديد، لأننا نشعر بحزن شديد و قلوبنا يعصرها الألم حزنا على غزة و اهلها، غزة التي خانها القريب قبل البعيد، غزة التي تحرق و يباد اهلها تحت انظار الإنسانية ، و لا احد يحرك ساكنا..غزة التي فضحت نفاقنا و عجزنا ووحشيتنا و أنانيتنا و سوء أخلاقنا ..غزة وضعتنا امام مرأة كاشفة و فاضحة …
اتوجه بالتحية لرجال غزة ونساءها، أطفالها و شيوخها، شيبها و شبابها ، لانهم صنعوا حدثا عظيما في سنة 2023 ..تضحياتهم و جهادهم من أجل نصرة الأقصى..فعملية طوفان الأقصى، ماهي إلا رد فعل على الانتهاكات المتكررة على المسجد الاقصى..
فقبل تنفيذ عملية 7 أكتوبر، إستباح الصهاينة المسجد الأقصى و حرمه، بل و قاموا بنفخ البوق قرب مصلى باب الرحمة في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى المبارك، فقد نفخ أحد المستوطنين في البوق خلال احتفال المقتحمين للمسجد برأس السنة العبرية (الأحد 17 سبتمبر/أيلول 2023)، وتضاربت الأنباء عن نجاح المستوطنين بالنفخ فيه مرة واحدة أم مرتين.
و يعد هذا الحدث المشؤوم، سابقة تاريخية خطيرة، فلأول مرة يتمكن حراس المسجد الأقصى المبارك من توثيق إقدام مستوطنين متطرفين على ‘نفخ البوق’ داخل المسجد، بعدما حدث ذلك بشكل خاطف وسري من دون أي توثيق خلال العامين الماضيين، في خطوة خطيرة تستهدف إعلان ‘الهيمنة والسيادة الإسرائيلية’ على الاقصى.
وفي الخليل بالضفة الغربية المحتلة، يتعرض الحرم الإبراهيمي لانتهاكات إسرائيلية تمس قدسية المسجد، بينها منع رفع الأذان، وإنارة الشمعدان على سطحه، وإقامة حفلات صاخبة في أروِقته. وتكريسا للسيطرة عليه، رفعت سلطات تل أبيب في أبريل/نيسان الماضي أعلام إسرائيل فوق أسطح وجدران الحرم..
و الجدير بالذكر ، أنه منذ مطلع العام 2023، ارتفعت الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى في ظل حكومة نتنياهو المتطرفة ، فبحسب تقرير رسمي فلسطيني، قام نحو 41 ألف مستوطن إسرائيلي بإقتحام المسجد الأقصى منذ مطلع العام وحتى نهاية سبتمبر/أيلول 2023، و اعتقال 464 مقدسيا خلال الشهور الثلاثة الماضية السابقة لعملية طوفان الأقصى، بينهم 62 طفلا و32 سيدة، إضافة إلى 54 قرارا بالحبس المنزلي.
وقبل عملية طوفان الأقصى بنحو ثلاث أيام اقتحم مئات المستوطنين المسجد الأقصى بمدينة القدس الشرقية، في رابع أيام “عيد العرش” اليهودي، تحت حماية الشرطة الإسرائيلية…و إقتحم مئات المستوطنين “الأقصى” على شكل مجموعات من خلال “باب المغاربة” في الجدار الغربي للمسجد..
فالكيان الصهيوني بعد قرار “ترامب” بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ورد الفعل العربي والإسلامي المحدود، والغير متوقع ، إذ بعكس أهل غزة خاصة والشعب الفلسطيني عامة ، ظلت مواقف وردود أفعال معظم الشعوب والحكومات العربية والإسلامية دون المستوى المطلوب، ولا ترقى إلى حجم ومكانة القدس والمسجد الأقصى، فرد الفعل الفاتر والمحدود ، والغير مبالي، اعتبرته إسرائيل فرصة مواتية لتنفيذ أجندتها في المسجد الأقصى ..والعمل على فرض سياسة الأمر الواقع وإقامة الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى
لكن بالرغم من هذا التكالب والدعم الضمني للكيان الصهيوني من قبل حكومات وأنظمة رهنت مصيرها ومصير شعوبها للإرادة الأمريكية والصهيونية، مقابل الحفاظ على المناصب والمكاسب، إلا أن الشعب الفلسطيني أثبت أنه يستحق وصف “شعب الجبارين” ، فأهل القدس وعموم فلسطين التاريخية، دافعوا بالغالي و النفيس ، عن المسجد الأقصى ببطولة لا نستغربها على هذا الشعب الأبي الذي خانه الأقارب والإخوة الأشقاء ..
فشباب فلسطين وشيبها واعون بحجم المخاطر التي تحاك ضدهم ، ولعل ذلك نابع من أن القدس شكلت ولاتزال تشكل في الوجدان الديني أهم منطقة في العالم، فجمال القدس وعظمتها لم تستمدهما من بناياتها ولا جغرافيتها المتميزة أو موقعها الجيو-ستراتيجي، وإنما نابعة من كونها مهد لكل الديانات السماوية فهي الأرض المباركة التي شيد بها أدم عليه السلام ثاني مسجد بعد البيت الحرام، وهي المدينة التي هاجر إليها الخليل إبراهيم عليه السلام، وهي الأرض التي اشتاق موسى عليه السلام لدخولها وقومه بعد الخروج من مصر، وما دخلوها إلا في عهد داوود عليه السلام ..وهي المدينة التي ولد بها المسيح ابن مريم ..وبالأقصى الشريف صلى محمد عليه السلام بكل الانبياء ومنها صعد إلى سدرة المنتهى..
هذا الإرث الديني للقدس جعل فلسطين أو أرض كنعان تتعرض للعديد من الغزوات الكبيرة .كغزو الفلسطينيين لساحل فلسطين أو كغزو الآشوريين والبابليين والفرس والمقدونيين تم الرومان وذلك قبل ميلاد المسيح عليه السلام، ثم غزوات الصلبيين والتتار في القرون الوسطى وبعد الفتح الإسلامي للقدس ..
معركة طوفان الأقصى إمتداد لهذا الصراع و نقطة فاصلة في الصراع العربي الصهيوني ، فبفضله عادت فلسطين لواجهة الأحداث، و كشفت الأحداث المتتالية عن وجود طابور خامس بداخل الشعب الفلسطيني ذاته، كما أن العدوان الصهيوني الغاشم أماط اللثام عن نفاق وخيانة جل الأنظمة العربية و الإسلامية، التي طالما رفعت شعار الدفاع عن القدس و فلسطين…شعارات جوفاء تم توظيفها لتسكين الشعوب، واستعبادها وهضم حقوقها باستخدام فزاعة العدو الصهيوني، و دغدغت مشاعر الشعوب بخطابات عاطفية تضامنا مع القدس و فلسطين…
لكن واقع الحال يقول بعكس ذلك، فالأنظمة العربية و الإسلامية هي من شجع الكيان الصهيوني على حصار غزة و البطش بأهلها، وهي من شجع ” ترامب” قبل ذلك، على اتخاد قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتفعيل ذلك عبر نقل السفارة الأمريكية للقدس، والترويج “لصفقة القرن” و التي تم إقبارها بفضل المقاومة الشعبية و المقاومة المسلحة، و بفضل عملية طوفان الأقصى و صمود المقاومة بدأ الحديث عن ما بعد إسرائيل …
و ما حققته عملية طوفان الأقصى و المقاومة يعد نصرا حاسما بكل المعايير، نصرا حقيقيا أخرجنا من دائرة الانتصارات الوهمية التي يحاول البعض إعطاءها أكثر من حجمها، و للأسف بعض المنبطحين و المتصهينين و الخوالف يكرهون مثل هذه الانتصارات الحقيقة التي تحققت منذ مسيرات العودة ومعركة سيف القدس، أو يحاولون التقليل من أثرها و حجمها، فقبل فترة كتبت أكثر من مقال برأي اليوم و على صفحتي الرسمية و ببرنامج ” إقتصاد ×سياسة، أشدت فيها بانتصار أهلنا في غزة و عموم فلسطين المحتلة في معركة “سيف القدس”، وقد خرج بعض ممن ينتمون إلى التيار “السلفي-الوهابي”، وبعض الكارهين لكل ماهو عربي-إسلامي و بعض المتصهينين ، يشككون و يقللون من هذه الانتصارات و يعتبرون صواريخ المقاومة مجرد لعب أطفال …
و لهؤلاء أقول هل تعلمون أن الجيش الصهيوني قادر على غزو أغلب العواصم العربية في ساعات و نكسة 1967 شاهد على واقع الجيوش العربية التي تستطيع قمع و قتل شعوبها بكفاءة و قساوة و لكن عاجزة عن مواجهة العدو الصهيوني أو غيره من أعداء ..هذا دون أن ننسى أن حكومات بثروات قارونية و جيوش جرارة و إمكانيات ضخمة وضعت بيضها بأكمله في سلة “الكيان الصهيوني” حماية لعروشها، في سياق ما أصبح يعرف بإتفاقيات أبراهام، بالرغم من أن هذا الكيان مصيره إلى زوال والعديد من المؤشرات الكمية و النوعية تؤكد قرب زواله…
إن حقيقة ما يجري يمكن تلخيصها في حالة صراع بين باطل مزهوا بانتصاراته الآنية، وبين حق يعاني قلة الأنصار وكثرة المتخاذلين و الإنتهازيين..فمعركة طوفان الأقصى ، لعبت دورا محوريا في توضيح الصورة، وكشفت أقنعة الأنظمة والعديد من الساسة و الدعاة و المثقفين…فصف أهل الحق أخذ في التشكل و الإصطفاف بالتدريج ليس في فلسطين فحسب، بل على امتداد العالم العربي و الإسلامي، فما يراه البعض بأنه إنهاء للقضية الفلسطينية وضياع للقدس وحق العودة، وانتصار المشروع الصهيوني، نراه عكس ذلك، فهو مقدمات لنصر قادم، مصداقا لقوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) } (سورة البقرة)…
فمن يظن بأن هزيمة الكيان الصهيوني مهمة صعبة و مستحيلة فهو واهم.. صحيح، المهمة ليست بالسهلة أو الهنية، لكن الأصعب هو توحيد الصف العربي و الإسلامي ، وحشد قدرات الأمة و طاقاتها لمواجهة العدو المغتصب. آنذاك يمكن تحقيق النصر، وتحرير فلسطين لن يتحقق إلا بتحرير عموم الوطن العربي و الإسلامي من أنظمة الحكم الاستبدادي، و تحرير إرادة الشعوب من الخوف والفقر و العبودية لغير الله، هو بوابة النصر القادم و معركة طوفان الأقصى بداية العد العكسي لزوال الكيان الصهيوني .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
كاتب و أكاديمي مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حق الدفاع الشرعى!

د. عبدالله الأشعل* قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال الأسبوع الأول من ابريل 2024 بتدمير القنصلية …