الإثنين , مايو 27 2024
الرئيسية / اراء / شركاء الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني!

شركاء الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني!

د. حامد أبو العز*
إن دعم الهند الثابت لإسرائيل، حتى في خضم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، كان سبباً في إرباك العديد من المراقبين. ينبع هذا الاستغراب وفقدان القدرة على التحليل، من الاعتقاد السائد في الأدبيات السياسية العربية بأن الهند أخرت تطبيع العلاقات مع إسرائيل حتى عام 1992، في أعقاب محادثات السلام العربية الإسرائيلية. ويشير هذا السرد إلى أن الهند حافظت على علاقة وثيقة وشبه متحالفة مع الدول العربية منذ استقلالها وحتى الثمانينيات، مدفوعة بتضامنها مع الفلسطينيين ومعارضتها للسياسات الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، فإنه يسلط الضوء على التعاون المكثف بين القادة العرب ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو داخل حركة عدم الانحياز. ومع ذلك، فإن هذا المنظور يتجاهل العلاقات العميقة والطويلة الأمد بين الهند وإسرائيل، والتي كانت تتلقى الدعم باستمرار من الغرب، وخاصة الولايات المتحدة.
فعلى الرغم من الجرائم الإسرائيلية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني لمدة أكثر من 75 عاماً، استمرت الصادرات الهندية العسكرية إلى إسرائيل والصادرات العسكرية الإسرائيلية إلى الهند، أكبر عميل دفاعي لإسرائيل، بلا هوادة. بين عامي 1997 و2000، تم توجيه 15% من إجمالي صادرات الأسلحة الإسرائيلية إلى الهند، وارتفعت هذه النسبة إلى 27% بحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. منذ أن تولى رئيس الوزراء ناريندرا مودي منصبه في عام 2014، تم توجيه ما يقرب من 42.1% من إجمالي صادرات الأسلحة الإسرائيلية إلى الهند. وتسلط هذه الزيادة الضوء على العلاقات العسكرية العميقة بين الهند والكيان المحتل. وزادت شحنات الأسلحة من إسرائيل إلى الهند بنسبة 175% بين عامي 2015 و2019، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه العلاقة. وفي عام 2021، وقعت الهند وإسرائيل اتفاقية لتوسيع التعاون في مجال الأمن السيبراني، حيث أكدت المديرية السيبرانية الوطنية الإسرائيلية على أهمية هذا التعاون في مواجهة التهديدات السيبرانية العالمية.
والهند هي أكبر مشتر للمعدات العسكرية الإسرائيلية، مع مشتريات كبيرة بما في ذلك معدات المراقبة والطائرات بدون طيار وأنظمة الصواريخ. على سبيل المثال، حصلت الهند على أعداد كبيرة من الطائرات الإسرائيلية بدون طيار من طراز Searcher وHeron، إلى جانب معدات رادار الطائرات المقاتلة، والصواريخ المضادة للدبابات، وصواريخ أرض جو. وبحسب ما ورد يمتلك الجيش الهندي 108 طائرات بدون طيار إسرائيلية من طراز Searcher و68 طائرة غير مسلحة من طراز Heron 1، إلى جانب العديد من طائرات Harpy بدون طيار، المعروفة بقدرتها على تنفيذ هجمات “انتحارية”. ويعد التعاون بين شركة Elbit Systems الإسرائيلية ومجموعة Adani الهندية لتصنيع طائرات Hermes 900 بدون طيار في الهند مثالاً واضحًا على ذلك. حيث تم تصدير هذه الطائرات بدون طيار مرة أخرى إلى إسرائيل، مما يدل على وجود شراكة ثنائية قوية في مجال التصنيع الدفاعي بعيداً عن المعايير الأخلاقية والإنسانية حيث تستخدم إسرائيل هذه الطائرات في استهداف المدنيين وتدمير البنى التحتية في غزة.
علاوة على ذلك، تمتد العلاقة إلى ما هو أبعد من الإمدادت العسكرية. ففي عام 2019، بعد أن ضمت الهند كشمير بالكامل، اقترح دبلوماسي هندي تكرار “النموذج الإسرائيلي” في المنطقة، على غرار المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. تؤكد هذه التوصية على أوجه التشابه الأيديولوجية والاستراتيجية التي تربط بين إسرائيل والهند بشكل متزايد.
ويشكل التعاون الاقتصادي ركيزة أساسية أخرى للتحالف بين الهند وإسرائيل. نمت التجارة بين البلدين من 200 مليون دولار أمريكي في عام 1992 إلى أكثر من 7.5 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2023. وتشمل المجالات الرئيسية للتفاعل الاقتصادي الزراعة وإدارة المياه والصناعات عالية التقنية. والجدير بالذكر أن إسرائيل لعبت دورًا فعالًا في مساعدة الهند على التقدم في مجال الحفاظ على المياه والإنتاجية الزراعية.
تكشف الجذور التاريخية لهذه العلاقة عن تفاعلات سرية ولكن مهمة يعود تاريخها إلى عهد جواهر لال نهرو. خلال الحرب الصينية الهندية عام 1962، سعى “نهرو” سرًا للحصول على أسلحة متقدمة من إسرائيل، والتي استجابت بشكل إيجابي. واستمر هذا التعاون السري خلال صراعات مختلفة، بما في ذلك حروب الهند مع باكستان في عامي 1965 و1971، وأثناء الحرب الباردة، حيث قدمت إسرائيل المساعدة العسكرية الحاسمة وتبادل المعلومات الاستخباراتية. على سبيل المثال، في عام 1963، زار الجنرال الإسرائيلي ديفيد شاتيل الهند وأبرم معاهدة سرية مع رئيس الأركان الهندي، نصت على أن تقوم إسرائيل بتزويد الهند بالأسلحة والذخيرة، والتعاون في التدريب العسكري. وفي عام 1965، عندما تصاعد الصراع بين الهند وباكستان، قدمت إسرائيل المساعدة العسكرية مرة أخرى. بحلول عام 1971، خلال الحرب الهندية الباكستانية، دعمت إسرائيل الهند بالأسلحة والذخيرة والمساعدات المالية لدعم الانفصاليين البنغاليين، مما أدى إلى إنشاء بنغلاديش.
وقد تعززت هذه الروابط التاريخية بمرور الوقت. وتسلط استراتيجيات المشتريات الدفاعية الأخيرة في الهند الضوء على عزمها تعزيز التصنيع المحلي مع الحفاظ على الواردات المهمة من الشركاء الاستراتيجيين مثل إسرائيل. تسرد بوابة Srijan Defense Indigenization Portal، التي تم إطلاقها في عام 2020، العديد من المكونات الإسرائيلية المصدر التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد من خلال تعزيز قدرات الإنتاج المحلي. على سبيل المثال، يتم الآن إنتاج مكونات مثل أجهزة إرسال وصلة البيانات، ومكونات الصواريخ الموجهة، وأدوات الملاحة محليًا، مما يقلل من اعتماد الهند على الواردات الإسرائيلية.
وتتجسد العلاقة الثنائية أيضًا في التدريبات العسكرية المشتركة وبرامج التدريب. وفي السنوات الأخيرة، أجرى الجيشان الهندي والإسرائيلي مناورات مشتركة لتعزيز التعاون العملياتي وتبادل المعرفة التكتيكية. على سبيل المثال، شاركت الهند في تمرين العلم الأزرق، وهو تمرين جوي متعدد الجنسيات يقام كل عامين وتستضيفه القوات الجوية الإسرائيلية، ويعرض قابلية التشغيل العسكري المتنامي بينهما.
وتتميز الشراكة الهندية الإسرائيلية أيضًا بالتعاون التكنولوجي والصناعي الكبير. ففي عام 2020، وقعت إسرائيل والهند اتفاقيات للتعاون في تطوير تقنيات دفاعية جديدة وتعزيز التعاون في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتكنولوجيا الفضاء. وقد أدى هذا التعاون إلى تطوير أنظمة دفاعية متقدمة مثل نظام الصواريخ باراك 8، الذي شاركت في تطويره شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية ومنظمة أبحاث وتطوير الدفاع الهندية. ولا تعمل مثل هذه المشاريع المشتركة على تعزيز القدرات الدفاعية للهند فحسب، بل تساهم أيضًا في تحقيق هدفها المتمثل في أن تصبح مركزًا للتصنيع الدفاعي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن العلاقة بين الهند وإسرائيل لها تأثير ملحوظ على الجغرافيا السياسية الإقليمية. وتلعب الولايات المتحدة والدول الغربية دوراً حاسماً في دعم هذا التحالف، وغالباً ما تؤثر هذه العلاقات والتدخلات الهندية الإسرائيلية على الاستقرار الإقليمي. على سبيل المثال، في سياق أفغانستان وباكستان، تؤثر ديناميكيات التحالف الهندي الإسرائيلي على التطورات العسكرية والسياسية. وفي أخر تطورات هذه التدخلات كشفت تقارير إعلامية بناءً على اعترافات أحد عناصر جبهة المقاومة المسجون لدى حركة طالبان، أن جهاز الاستخبارات الباكستاني التقى بقادة جبهة المقاومة وجبهة التحرير عدة مرات في أفغانستان. ووعدت وكالة الاستخبارات الباكستانية بأنه إذا تمكن معارضو طالبان من تنظيم قواتهم، فإن الجيش الباكستاني (المدعوم أمريكيا بعد الإطاحة برئيس الوزراء الباكستاني السابق عمران خان) مستعد لتزويدهم بامدادت عسكرية، وطريق إمداد، والأسلحة والذخائر اللازمة، كما سيتعاونون في علاج الجرحى. وفي اعترافات عضو جبهة المقاومة، يشار أيضًا إلى أن باكستان منزعجة جدًا بسبب دعم أفغانستان لحركة طالبان الباكستانية، وفقدت ثقتها في قادة نظام طالبان، ولهذا السبب، فهي تحاول حل مشكلتها مع حركة طالبان الباكستانية بطريقة جذرية، وأحدها هو اتخاذ إجراءات انتقامية من خلال تنظيم معارضي طالبان. كما اتهمت حركة طالبان باكستان مرارا وتكرارا بتعزيز وتقوية تنظيم داعش في عملياته في أفغانستان. وإذا ما تم البحث عن خيوط هذه الفتن سنصل إلى الولايات المتحدة والغرب اللذان يدعمان الانقلابات العسكرية وزعزعة الأمن بين الجارتين أفغانستان وباكستان وكل ذلك يصب لصالح الهند حليفة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرتكز التحالف الهندي الإسرائيلي على شبكة معقدة من الروابط التاريخية والعسكرية والاقتصادية، التي تدعمها المصالح الغربية. وقد تطورت هذه العلاقة إلى شراكة استراتيجية هامة تلعب دورا حاسما في الجغرافيا السياسية الإقليمية والعالمية. ويسلط التعاون العسكري العميق، إلى جانب الارتباطات الاقتصادية الكبيرة، الضوء على الطبيعة المتعددة الأوجه لهذا التحالف، مما يتحدى الروايات التبسيطية التي غالبًا ما تهيمن على الخطاب العام.
في الختام، يشكل التحالف الهندي الإسرائيلي شهادة على المشاركة الفعالة لهذا التحالف في انتهاك حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني. ورغم أن الأدبيات السياسية العربية قد تؤكد على حقبة ماضية من التضامن الهندي العربي، فإن واقع الدعم القوي الذي تقدمه الهند لإسرائيل منذ فترة طويلة يرسم صورة مختلفة. ويستمر هذا التحالف، الذي تدعمه القوى الغربية والولايات المتحدة بقوة، في تشكيل الديناميكيات الجيوسياسية، مما يسلط الضوء على أهمية فهم طبيعة هذا التحالف وضرورة توجيه الجهود نحو مقاطعة الهند بوصفها الشريك الاستراتيجي والداعم الرئيسي والمورد الأساسي لأدوات ومعدات حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في غزة.
*كاتب فلسطيني وباحث في السياسة العامة والفلسفة السياسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

غزّة..هل تبقّى ما يمكن أن يقال؟

نادية حرحش* في كل مرة أحاول الكتابة، أتوقف أمام المشاهد المتراكمة للدمار والمجازر من جهة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *