الأربعاء , مارس 18 2026
الرئيسية / اراء / هل أوقع “ترامب” نفسه في دائرة الخطر؟

هل أوقع “ترامب” نفسه في دائرة الخطر؟

محمد الحسيني*
“دونالد ترامب” الرجل الذي احتل الصفحات الأولى من وسائل الإعلام الأمريكية على مدى عقود، وذلك بسبب تنامي ثروته المذهل، من خلال إمبراطوريته المالية الكبيرة، التي تشمل عوالم المقاولات والكازينوهات والنوادي الليلية…لتمتد إلى مسابقات ملكات الجمال والمصارعة الحرة وكرة القدم الأمريكية…ولم يكتف بهذا بل توسع نحو هوليوود، فمقابل رشى مالية أقدمت على تخصيص شخصه، المغرم بعرض ذاته، بمساحات واسعة على شاشاتها من خلال عشرات الأعمال له سواء ممثلاً أو شخصية رئيسة في أفلام وثائقية، وما لم تكن تعلمه هوليوود أن الرجل إمبريالي نرجسي توسعي، إذ بسط نفوذه على المشهد البصري بأسره، واستحوذ على فضول المتفرّج، بعد ظهوره المميز في برنامج تلفزيون الواقع الذي أنتجه لقناة “إن بي سي” (NBC)، مما أكسبه خبرة في مخاطبة الجمهور والارتجال والمواجهة، ففرض سلطانه على الفضاء كلّه، مُشبعاً رغبته الجامحة في عرض نفسه على الملأ، فصقل شخصيته التي شاهدناها خلال أدائه الرئاسي السابق، وبفضل هذا البرنامج نال نجمة هوليوود على ممر الشهرة في مدينة لوس أنجلوس، فانتصر مقدم برامج تلفزيون الواقع على الدبلوماسية الأمريكية التي تتمتع بتاريخ سياسي لا يمكن الاستهانة به …
وإذا عدنا إلى الوراء، وبحثنا قليلاً في سجلات التاريخ، سنجد شخصًا، هو “روي كوهن” رجل الظل في حياة ترامب، ومُعلمه الذي لقنه أساليب الهجوم والهجوم المضاد وعدم الاعتذار ابداً، وذلك في بداية حياته المهنية، والسبب الرئيسي وراء وصوله لكرسي الحكم في البيت الأبيض، أما كيف حدث ذلك؟ ففي أوائل السبعينيات عندما رفعت الحكومة الأمريكية دعوى قضائية ضد “ترامب” ووالده بتهمة التمييز ضد المستأجرين من ذوي البشرة السوداء في الشقق التي يديرونها، تحالف “ترامب” مع “كوهن” ليصبح محاميه. وكان “كوهن” من عائلة يهودية ذو شخصية غاضبة، مهددة ومتنمرة، ودائم التنصل من الحقائق، واشتهر بانه منافق، ففي الوقت الذي عُرف عنه انه شاذ جنسياً اضطهد الآخرين لشذوذهم، إلى أن أصيب بمرض الإيدز، فأنكره وادعى أنه مصاب بسرطان الكبد حتى وفاته في عام 1986.
عمل “كوهن” على عقد صلة بين “ترامب” الذي كان ذا شخصية كريهة عند المحيطين به، مع “روجير ستون”، الذي رأى فيه السياسي الذي سيحبه الأمريكيون، والجواد الذي يمكنه أن يراهن عليه، بعد أن تابعه في تلفزيون الواقع، فأعاد عبره بعث الروح في الشعارات التي رفعها “رونالد ريغان” حول الحلم الأمريكي، وجعله يُعلن أن هذا الحلم قد مات، وأن عند انتخابه سيعيد إحياءه من جديد، بل سيجعله أكبر وأقوى وأفضل من أي وقت مضى. و”ستون”هذا رجل “مكيافيلي” مجنون، من كبار الاستراتيجيين الإمبرياليين يعمل لصالح الحزب الجمهوري منذ سبعينيات القرن الماضي، ويمثل أحد أهم لوبيات الضغط السياسي في واشنطن، حيث طالما تشدّق بتوظيف المعلومات المضللة وابتكار الخدع لإلحاق العار بالخصوم وإيقاعهم في الفخ، ويُعرف بالسياسي القبيح، الكذوب المخادع، المتحرك دوما في الظلام، اليميني الذي يحول السياسة الأمريكية إلى مصدر يجني منه السلطة والمال بالتحايل على القانون دون الوقوع تحت طائلته. فجرّ “ترامب” إلى عالم السياسة وأقنعه بخوض الانتخابات وخطّط لحملته الانتخابية، حتى وصل إلى سدة الرئاسة في العام 2017 ولولاية واحدة فقط، إذ خرج من بعدها مهزوماً وملاحقاً قضائياً مع مستشاريه ومنهم “ستون”.
لم يستسلم “ترامب” فعاد ليخوض غمار الانتخابات الرئاسية مجدداً وعن الحزب الجمهوري ايضاً، بالرغم من الدعاوى القضائية ضده، إلى ان وقعت حادثة إطلاق النارفي بنسلفانيا يوم السبت في 13 يوليو من العام الحالي، التي استوقفت الكثيرين إن لجهة توقيتها أو ظروفها أو حتى طبيعتها، مقاربة بطريقة عمل “ترامب” ومستشاريه عبر تاريخ حافل بالتساؤلات المثيرة التي تحاكي الأجوبة الضبابية حول الأساليب “القذرة” المستخدمة في سبيل تحقيق اهداف حملتهم الانتخابية، وبما أن “الإناء ينضح بما فيه” فإن نظرية “المؤامرة” تتقدم على سواها، من حيث محاولة اللعب على عواطف المُنتخِب الأمريكي لرفع المؤشر الانتخابي ل”ترامب” عبر تنفيذ “فيلم هوليودي قصير” أخرجه أحد المستفيديّن إمّا “ترامب” وفريقه بحد بذاتهم؟ وإمّا “بنيامين نتانياهو” في رهانه على انتصار “ترامب” لتحقيق طموحاته الشخصية واهدافه الاستراتيجية في استمرار الحرب؟ أمّا الأسباب التي تدعم نظرية المؤامرة فهي كثيرة أبرزها:

أنّ من ألف باء التخطيط الأمني لحماية شخصية ما في الهواء الطلق، تبدأ بتغطية وتأمين كافة الأماكن المرتفعة الكاشفة للمنصة الرئيسة، حتى لو كانت خارج مكان الاحتفال، ما دامت تقع ضمن المدى الأقصى لبنادق القنص المستخدمة من قبل القناصة المحترفين، على أن يتم لحظها ضمن الدائرة الحمراء، لما تشكله من تهديد محتمل على الشخصية الهدف، وذلك بالسيطرة على أسطحها بوضع عناصر حماية وعدم الاكتفاء بتغطيتها بواسطة المراقبة البصرية أو من داخلها، وهذا الخطأ لا يمكن تبريره بسوء التخطيط أو التنفيذ، من قبل جهاز محترف كجهاز الخدمة السرية له باع طويل في حماية الشخصيات. فما هي حجتهم في عدم تأمين سطح مبنى كاشف للمنصة وقريب منها، يبعد عنها حوالي 120 متراً فقط، بوضع عناصر حماية عليه؟ ليطرح السؤال نفسه، هل هو خطأ متعمد؟
المستطلع لخريطة الموقع عبر “غوغل” يكتشف بسهولة “المخزن الثغرة” الذي من على سطحه أُطلق النار، أمّا التبرير اللامهني بوجود “شجرة كبيرة”، قد حجبت الرؤية بين المسلح وأقرب وحدة حماية مسلحة، فهي باطلة في التخطيط الأمني، وفي الوقت الذي قامت فيه الوحدتان المسلحتان فوق المخزنين الموجودين خلف “ترامب” بإطلاق النار على المسلح المنبطح فوق سطح “المخزن الثغرة”، بعد أن أطلق ثلاث طلقات باتجاه الجمهور، وأردياه قتيلاً! يحمل تناقضاً واضحاً، فكيف لشجرة ان تحجب الرؤية، في وقت شوهد القناصان من فريق الحماية يسدّدان عليه ويقتلاه؟ من يسدد على هدف ويصيبه بالرأس من الطلقة الأولى، فهو حتماً يراه.
الادعاء ومحاولة التبرير بأن “المبنى الثغرة” له سقف مائل عند أعلى نقطة فيه، وبأن هناك عامل أمان يجب مراعاته، حيث يصعب وضع شخص على سطح مائل، والاكتفاء بتأمين المبنى من الداخل فقط، تدحضه الصور الملتقطة من الحدث، التي تظهر أسطح المباني التي تمركزت فيها فرق القناصة أكثر ميْلاً من أسطح المبنى الذي تمركز عليه مطلق النار على “ترامب”.
هي دقيقتان لا غير، تفصلان بين رصد المنفذ من قبل بعض الحضور والإبلاغ عنه، وبين إطلاقه للنار، وبالتالي لماذا لم يبادر الأمن الى التحرك؟ فهل هي البيروقراطية الأمنية؟ أم هو غض للنظر؟ وما يُثبت أريحية المسلح في التنفيذ هو تصوير البعض له وهو يأخذ وضع الرامي انبطاحاً بهدوء ملفت للنظر. إضافة إلى أن هناك أمران يثيران الحيرة والشكوك، أولهما أنّ مطلق النار مسجل كجمهوري في سجل الانتخابات لولاية بنسلفانيا، ومع هذا فقد رُصد له تبرعاً للجنة عمل سياسي تجمع الأموال للديمقراطيين؟ وثانيهما العثور على متفجرات مجهزة داخل سيارته قرب الحدث، فما هو سبب وجودها، إن كان سلاح الاغتيال المعتمد هو القنص؟ ولماذا لم يُفجرها إن كان هدفه “تشتيت” الانتباه خلال إطلاقه للنار؟
ويبقى على “ترامب” وهو الذي يُتقن فن التمثيل، تأديته للمشهد الأخير، أي نهوضه بين عناصر الحماية رافعاً قبضته ومن فوقه يرفرف علم الولايات المتحدة، ليصبح هذا المشهد أول أيقونة وطنية منذ “أيو جيما” ( Iwo Jima)، في وقت تسمر الجمهور مكانه ولم تظهر عليه علامات المفاجأة أو الهلع من جراء إطلاق النار، بل حافظ على هدوئه، وبدا كأنه ينتظر لحظة خروج “ترامب” من تحت المنصة في حركة استعراضية لتعلو الصراخات والهتافات، ويقفل المشهد على غرار النهايات السعيدة لأفلام “الأكشن” الأمريكية حيث لا يموت البطل فيه، إذ ينتصر الخير الأمريكي على الشر العالمي!! … واستكمالاً للدور الذي اندمج بادائه، ظهر “ترامب” في مؤتمر الحزب الجمهوري في مدينة ميلووكي، يوم الاثنين في 15يوليو ، متأثرا بالحادث الذي تعرض له، ينازع الدموع في بعض اللحظات، “خافتا” على غير عادته، واضعاً ضمادة على أذنه اليمنى، في استعطاف واضح للناخبين. أمّا السبب الرئيس الذي يعزز نظرية المؤامرة، فهو أنّ ماضي “ترامب” وحاضره لا يشفعان له في تصديقه، بل يدفعان بالمشاهد من خارج الإطار إلى الشك الممزوج باليقين، محوره أنّ مُطلق النار هو الضحية والمُصاب بالطلق الناري هو المشتبه به، لكن إلى متى ؟ والجواب، إلى حين إثبات العكس، أي بأنّ “ترامب” مستهدف بالفعل يتحرك ضمن دائرة الخطر، و تم وضعه جدياً في “عين الثور” وهو المصطلح الأمريكي الذي استخدمه “بايدن” للتعبير عن وجوب هزيمة “ترامب”…. لكن كيف؟ هذا ما سيكشفه لنا المستقبل…
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

وهم استبدال العدو العربي بالايراني!

د. معن علي المقابلة* في أكثر من مناسبة يكرر بنيامين نتنياهو أن الدول العربية لم …