زياد فرحان المجالي*
مدخل: الرصاص في قلب المعبر
في صباح بدا عاديًا على جسر اللنبي/الكرامة، حيث تعبر الشاحنات المحمّلة بالمساعدات والوفود الإنسانية، انقلب المشهد إلى مواجهة قصيرة لكنها صاخبة. مواطن أردني في السابعة والخمسين من عمره، سائق شاحنة مساعدات منذ أشهر، فتح النار على الجنود الإسرائيليين فقتل اثنين، أحدهما في العشرين والآخر في الستين، قبل أن يُقتل بدوره على الفور. العملية التي وقعت عند أعمق نقطة تماس بين الأردن وإسرائيل لم تكن مجرد حادثة فردية؛ بل فصلًا جديدًا من تاريخ طويل يختزل معنى المكان: الكرامة.
البعد الأمني: عملية ليست عشوائية
الجيش الإسرائيلي اعترف بأن العملية لم تكن ارتجالية. المنفذ دخل بشاحنة مساعدات، تجاوز الإجراءات الأمنية، وعرف تفاصيل الموقع فأطلق النار بدقة. هذه شهادة صريحة على ثغرة في أحد أكثر المعابر تحصينًا، حيث يُفترض أن الرقابة مشددة. الرسالة هنا واضحة: لا أمن مطلق، ولا سيطرة كاملة.الأردن: أطول حدود وأعقد حساسية
الأردن يملك أطول حدود مع فلسطين التاريخية، تمتد من نهر اليرموك شمالًا حتى العقبة جنوبًا. وعلى طول هذه الحدود يشكّل معبر الكرامة البوابة الأبرز بين الضفة والعالم العربي مرورًا بالعراق والخليج. لذلك، أي حادث فيه لا يبقى محليًا، بل يمتد صداه إلى الأمن الوطني الأردني والإقليمي. ردّ عمّان جاء سريعًا: إغلاق المعبر مؤقتًا وتعليق المساعدات حتى انتهاء التحقيق. لم يكن ذلك مجرد إجراء أمني، بل رسالة سيادية مزدوجة: حماية الاستقرار الداخلي، وتأكيد أن السيادة الأردنية فوق أي اعتبار.
إسرائيل: صورة الردع المتصدعة
الحادثة أصابت إسرائيل في العمق. جنود يُقتلون في قلب معبر استراتيجي وعلى يد مواطن أردني، بعد حوادث مشابهة في 2014 و2024، تعني أن الأمر لم يعد استثناء بل نمطًا يتكرر. صورة “الجيش الذي لا يُقهر” اهتزت مجددًا، خصوصًا أن إسرائيل تُسوّق نفسها كقوة قادرة على حماية المستوطنين في الضفة وخوض حرب في غزة. فإذا كانت عاجزة عن تأمين بوابة عبور محصنة، فكيف ستقنع الداخل والخارج بقدرتها على فرض سيطرة شاملة؟
البعد الإقليمي: من غزة إلى الدوحة إلى عمان
الرصاص الذي دوّى في الكرامة لم يكن معزولًا عن صواريخ غزة ولا عن ضربة الدوحة التي استهدفت قادة حماس. إنه خيط في نسيج الصراع الكبير. العملية جاءت في لحظة إقليمية مشتعلة: تصعيد في غزة، توتر في الضفة، وضغوط أمريكية على الأردن بملفات حساسة. بهذا المعنى، أعادت العملية تذكير الجميع بأن عمان ليست بعيدة عن مركز الصراع، بل جغرافيا مشتعلة تتقاطع عندها مسارات الحرب والسياسة.
معبر الكرامة: ذاكرة لا تموت
اسم “الكرامة” يختزن تاريخًا أكبر من الجسر نفسه. ففي عام 1968، وقف الجيش الأردني والفدائيون الفلسطينيون في معركة الكرامة، ليسجّلوا أول انتصار عربي بعد هزيمة 1967. منذ ذلك اليوم لم يعد المكان مجرد معبر، بل صار رمزًا للكرامة الوطنية. والحوادث المتكررة فيه – 2014، 2024، 2025 – تؤكد أن هذه الجغرافيا مشحونة بالذاكرة والرمزية. كل رصاصة في الكرامة تذكّر بأن الردع الإسرائيلي هشّ، وأن الكرامة لا تموت.
المساعدات: ورقة ابتزاز جديدة
إسرائيل سارعت إلى وقف مرور المساعدات عبر الأردن مؤقتًا. ورغم أن نصيب الأردن منها محدود نسبيًا، إلا أن الدلالة السياسية واضحة: تحويل الإغاثة إلى ورقة ضغط. الأردن من جانبه أعلن فتح تحقيق وأكد أنه لا يقبل خرق القانون ولا العبث بمسار المساعدات. لكن في الجوهر، الحادثة أعادت إظهار أن الممرات الإنسانية ليست إنسانية خالصة، بل أوراق ضغط في لعبة الصراع.
الأردن بين المطرقة والسندان
المعادلة التي يواجهها الأردن قديمة متجددة: مطرقة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية من جهة، وسندان الرأي العام العربي والفلسطيني من جهة أخرى. فهو مطالب بضبط حدوده وتأمينها، وفي الوقت نفسه مطالب بالتمسك بفلسطين كقضية مركزية وحماية استقراره الداخلي. أثبت الأردن مرارًا أنه قادر على الموازنة الدقيقة، وأنه ليس تابعًا ولا وسيطًا محايدًا، بل شريك أصيل في معادلة الصراع.
الشهيد: البعد الإنساني والوطني
بعيدًا عن تفاصيل التحقيقات، يبقى المنفذ أردنيًا حمل في قلبه همّ فلسطين، واختار أن يقدّم حياته على جسر الكرامة، حيث تختلط الرمزية بالتاريخ. سواء كان بدافع فردي محض أو نتيجة تراكم الغضب الشعبي، فإن فعله يعكس وطنية صادقة وغيرة عربية أصيلة. هذه التضحية – مهما قيل في تفسيرها – لا يمكن فصلها عن نهر الألم الذي يسري في وجدان الأمة كلما سقط شهيد في غزة أو الضفة.
الرصاص الذي يفتح أبواب التاريخ
عملية الكرامة ليست حادثًا عابرًا. إنها صدى لمعركة بدأت عام 1968 وما زالت تتجدد كلما حاول الاحتلال أن يفرض سيطرته المطلقة. المنفذ – بوعي أو بغير وعي – أعاد ربط الحاضر بالماضي، ليقول إن الكرامة ليست ذكرى بل فعل مستمر. والرسالة في النهاية واضحة: هذه الحدود الطويلة ستظل طويلة في معناها، لا في مسافتها فقط، والأردن سيبقى صخرة ثابتة، شريكًا أصيلًا في معادلة المصير.
زياد فرحان المجالي
*كاتب سياسي اردني متخصص في الشؤون الإسرائيلية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر