د . أنور ساطع أصفري*
بدأ مؤتمر “كامبل” في لندن بشكلٍ سرّي في عام 1905 واستمر لغاية عام 1907. وكان كامبل رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت ، إنّها وثيقة كامبل بانرمان.
ولقد ركّز المؤتمر على أساسيات تتضمن العمل على استراتيجية أوروبية لضمان سيادتها على العالم ، ولقد شارك في المؤتمر عدة دول ” فرنسا، هولندا، أسبانيا، بلجيكا، إيطاليا، إضافةً إلى بريطانيا.وأكّد المؤتمر أن المنطقة العربية والبحر الأبيض المتوسط هما الشريان الحيوي للعالم، والممر الطبيعي إلى كلٍّ من آسيا وأفريقيا، وأن الإشكالية الحقيقية هي أن هذه المنطقة هي مهد الأديان والحضارات، وأن شعب هذه المنطقة هو شعب واحد يجمعه التاريخ واللغة والدين.
ولقد شارك في المناقشات التي استمرت عامين سياسيون وباحثون ومفكرون وفلاسفة ومؤرخين وعلماء الاستشراق والجغرافيا والاقتصاد ، إضافة إلى خبراء اختصاصيون في مجال الزراعة والنفط والاستعمار.
وبعد سلسلة مطوّلة من المناقشات خلال عامين أكّد المؤتمر على ضرورة إبقاء شعوب هذه المنطقة مُفكّكة ، يحكمها الجهل والتخلّف. ومحاربة أي مسعى لوحدة هذه الدول “الدول العربية” ولتحقيق ذلك لا بُدّ من إقامة دولةٍ في فلسطين تكون قوية وغريبة ومعادية للعرب، وصديقة للدول الأوروبية وترعى مصالحها ، وتفصل الدول الأفريقية العربية عن الدول العربية في الجانب الآسيوي، وبالتالي تكون مهمتها خلق البلبلة الدائمة في المنطقة العربية وإحباط أي مشروع وحدوي فيما بينها، وهذه الدولة ستكون “إسرائيل”.
واعتمد المؤتمر تشكيل مجموعات دائمة للمتابعة ، وكانت أهم توصية اتخذها مؤتمر لندن – كامبل – هي إقامة دولة ” إسرائيل ” .
نعم كانت “إسرائيل” وفيّة لمصالح الغرب ، وكانت الحاجز المنيع الغريب والمعادي للعرب تماماً كما أوصى مؤتمر كامبل ، كما استطاعت أن تخلق البلبلة في المنطقة لتكون سدّاً منيعاً أمام أي محاولة لتحقيق وحدة المنطقة العربية .
بدأ التحضير لاتفاقية ” سايكس بيكو ” عام 1915 ، وفي إبريل – مايو – عام 1916 بدأ مشوارها وبقيت سرّية لغاية عام 1917 ، إلى أن أصدر بلفور وعده ، وتضمّن ” أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطنٍ قومي للشعب اليهودي في فلسطين ” .
بعثر هذا الوعد تاريخ شعب فلسطين بأكمله ، دون أن يذكره بلفور حتّى في رسالته ، وكانت كلمات بلفور تُشكّل الضوء الأخضر نحو احتلال أرضٍ من فلسطين وإعلان دولة الاحتلال عام 1948 ، و لتمرير أمور دولة الإحتلال تمّ وضع فلسطين تحت وصاية الإنتداب البريطاني .
والبنود الأساسية لوعد بلفور تم وضعها سرّاً عام 1915 ، والتي نصّت على هزيمة الإمبراطورية العثمانية وتوزيع أراضيها بين المستعمر الفرنسي والمستعمر البريطاني ، وتم توقيعها من قبل الدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو ، والبريطاني مارك سايكس عام 1916 ، حيث بدأ الانتداب البريطاني على أرض فلسطين عام 1920 واستمر لغاية عام 1948 ، ومن ثُمّ أعلنت الصهيونية دولتها في فلسطين .
ومن ثُمّ جاءت اتفاقية ” سان ريمو ” في إبريل عام 1920 بهدف تحديد مصير الدول العربية بعد سقوط الدولة العثمانية .
وبعد قرنٍ من الزمن ، ومنذ انطلاق ما سُمّي بالربيع العربي 2011 وإلى الآن ، من يُتابع الأمور يُدرك أن هناك ” سايكس بيكو ” جديد ، لتفتيت المُفتت ، وكانت البداية في السودان ، وكذلك تقسيم اليمن طائفياً ، وتقسيم ليبيا عشائرياً ، ودول الوطن العربي كلها على اللائحة واحدة تلو الأخرى .
أكثر من قرنٍ مضى ولا يزالون يلعبون بمصير العرب ، بأرضهم ، حتّى بقراراتهم ، بحيث أصبح القرار العربي بيد الغرب نتيجة حتمية للتبعية العمياء التي التزم بها الحكّام العرب .
وهكذا أصبحت الدول العربية متخلّفة متأخرة عن دول العالم الأخرى ، رغم أنها تملك كل المقومات والثروات المختلفة بما فيها الباطنية ، هكذا خطّطوا لنا .
افتقدنا الإيمان بالإبداع ، وبحرية الإعلام والصحافة ، وبالقلم الحر ، وكل دول العالم تقدمت بشكلٍ ملحوظ عندما تحرر الفكر وعندما أُطلقت الحريات .
علاقتنا بالدين أصبحت مُشوّشة بعد أن اعتلى المنابر شيوخ جهلة ودعاة عنفٍ وتطرف . تشرذمت الدول العربية وافتقدت القدرة على التوحّد في المواقف أو في كيانات سياسية أو اقتصادية لها سيادتها .
وكانت التبعية بمثابة تيسير الأمور أمام الغرب الذي صادر حتّى القرار العربي إن كان عسكرياً أو سياسياً أو اقتصادياً وسوى ذلك .
افتقدت المنطقة العربية النظام الاقتصادي ، ساد الفساد في كل مكان ، هاجرت الأموال العربية ، والتي تُقدّر الآن بحوالي تريليوني دولار، وانتشرت الأطماع في المنطقة العربية ، ونشطت في العقدين الأخيرين دول إقليمية وخططت لنفسها مشاريع من أجل الهيمنة والاحتلال ، فتم إنشاء ميليشيات ومرتزقة مسلّحة داخل البلدان العربية ، وتشكّلت أطماع تركية ، وأطماع إيرانية ، وأطماع خليجية ، وانتشر الإرهاب الذي تم تمويله بأموالٍ مشبوهة لأسبابٍ هستيرية متطرفة ، تتبنّى الأفكار الإجرامية التكفيرية ، وأعادت الشعوب العربية عشرات السنين إلى الوراء .
لقد أُستخدم مصطلح ” الشرق الأوسط ” لأولِ مرة وبشكلٍ رسمي من قبلِ الولايات المتحدة عام 1957، وأول من دعا إلى شرق أوسط جديد هي وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2005 ، وتلا تلك الدعوة حرب أهلية في العراق ، ومن ثُمّ تكررت الدعوة إلى شرق أوسط جديد مع أحداث ما يُسمّى بالربيع العربي، ” الذي هو ربيعاً عبرياً بامتياز”، حيث انتشرت الطروحات الطائفية ، والدعوات القومية ، وبدأت دول تنهار مثل اليمن وليبيا وسورية والعراق ولبنان والسودان، ولا تزال هذه الدول تشهد الفوضى الخلاّقة وتختلف نسبتها من دولةٍ إلى أخرى .
واليوم تزداد وتتعالى الدعوة إلى شرق أوسط جديد مع تفاقم الأحداث في غزّة والضفّة ، وفي سورية أيضاً ، حيث بوادر الانقسام السياسي والجغرافي يبدو واضحاً في لبنان وسورية والعراق كأمرٍ واقع ، وإن لم يأخذ الشكل الرسمي المُعلن.
إنّه الشرق الأوسط الجديد الذي تروم إليه ” إسرائيل ” ، والذي من خلاله سترسم خارطتها الجغرافية التوسعية والسياسية والاقتصادية على حساب الدول العربية ، وفرض شروطها على الأنظمة العربية .
وكلّ ما نتمناه وبإرادة الشرفاء الأحرار من أبناء الأمّة أن لا تمر هذه المؤامرة الصهيونية.
إن إدخال المنطقة في حروبٍ أهلية وطائفية ، وعمليات تدمير منظومة الجيوش العربية ، ترتبط بشكلٍ مباشر بالحديث عن ” شرق أوسط جديد”.
إن الأنظمة العربية والشعوب العربية على مفترق طرق ، فهل سيكون بإمكانها مواجهة المؤامرة واحباطها ؟، وهل بإمكانهم صياغة أوضاعهم وأوضاع شعوبهم ، والحفاظ على جغرافية الإقليم ؟.
إن الإستراتيجية الدولية تمّت دراستها وبدقة ، وفق مصالح الدول المعنية والنافذة ، التي تتحكّم بالعالم ، وبعد تلك الدراسة التي استمرت لسنوات ، يتم الآن البدء بتنفيذ تلك الإستراتيجية بكل تفاصيلها ، وبدأت تتضح معالم وسمات الشرق الأوسط الجديد ، من خلال ما يتسرّب من ملامح وأسرار وتفاصيل تصل إلينا بشكلٍ بطيءٍ وجزئي .
رغم أن الصراع حول الشرق الأوسط يُعتبر الصراع الأكثر تعقيداً على المستوى الدولي ، ولكن الكيان الصهيوني المحتل استطاع أن يخترق هذا الواقع الشرق أوسطي ، والعرب يبدو أنهم لا مُبالون ونيام ، افتعل الكيان الصهيوني حروب وتدخلات في جبهاتٍ إقليمية مثل سورية وفلسطين ولبنان والسودان وإيران ، والضغط على المنطقة مستمر من قبل الصهيونية ، بهدف تحقيق المبتغى وتنفيذ ورسم ملامح الشرق الأوسط الجديد وتشعباته الإقليمية والدولية .
وأمام هذا الواقع على إيران إمّا الاستسلام والانصياع ” لإسرائيل ” وأمريكا ، والتخلي عن التقنية النووية ، أو أن تتحمّل الحصار بكل أشكاله الإقتصادي والمعيشي بالنسبة للشعب الإيراني ، وتوسّع المواجهة وفق إمكانياتها وحلفائها غير المنظورة .
إنّ الأسرار المُسرّبة تؤكّد بأن العديد من الدول العربية هي مع الشرق الأوسط الجديد بشكلٍ سرّي ، ومع ما تُخطط له إسرائيل في قطاع غزّة وفلسطين ، وبعض الدول العربية تتمسّك بقطاع الضفة الغربية .
وعلى هامش هذه الإستراتيجية الجديدة ستقوم أمريكا بتخفيف تواجدها العسكري في قطر وبعض المناطق الأخرى ، بهدفِ إنشاء قاعدة عسكرية جديدة على سواحل البحر الأحمر ، وسوف تحمل هذه القاعدة إسم ( أي أس أي جونكر ) .
ومن المتوقع أن يكون هناك خطر روسي بالنسبة لتركيا الذي قد يصلهم عن طريق البحر الأسود ومضيق البوسفور والدردنيل، وبنفس الوقت سيكون هناك تنافس إقليمي بين طهران وأنقرة ، ومن المتوقع أن تكون هناك مواجهة عسكرية أمريكية روسية وصينية ، كما سيتم تأهيل المملكة العربية لتكون مملكة كبرى على حساب نظام فيدرالي خليجي ، بعد أن تأخذ إسرائيل شمال السعودية ، وهذا سيمنح آفاقاً واسعة لخط التجارة الدولي الذي تتبنّاه ” إسرائيل ” مع أوروبا والهند .
وكلّ هذه الأمور ستشد الخناق على مصر ، وهو سبب كافٍ لتأجيج صراعٍ إسرائيلي – مصري ، فيما إذا لم ترضخ القيادة المصرية لكامل الرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية جملة وموضوعاً ، والتي رسمتها الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ، والتي تشمل المنطقة برمّتها ، كما تتضمن إقصاء كل من يخالف أو يُعارض المدّ الإسرائيلي ، وتحويل دول المنطقة إلى كنتونات هشّة وكيانات مُطبّعة مستسلمة ، تنشغل بتنمية نفسها ، كما سيتم إقصاء كلّ المحاور والجماعات التي تناهض ” إسرائيل ” ، ومحاصرة الأنظمة التي لا تنسجم مع المنطق الإسرائيلي ، ومع منطق التحالفات الغربية .
المنطق الذي تتصرف ” إسرائيل ” من خلاله ، والذي يقوده نتنياهو يرتكز على التفوّق العسكري بشكلٍ أساسي ، وهذا التفوق لا يحتاج لاتفاقيات أو مقترحات للسلام ، بل هناك منطق القوة الذي يفرض إيقاعاً جديداً على المنطقة بمجملها ، تصفية القضية الفلسطينية بالقوة ، وتفكيك النفوذ الإيراني ، وتفكيك الأنظمة العربية ، لتكون ” إسرائيل ” هي من تقود الإقليم ، وليس مصر أو السعودية .
فكيف سيكون الموقف الإيراني ؟ ، وكيف سيواجه هذه الإستراتيجية ؟، وكيف سيواجه العرب هذه المخططات الإسرائيلية ؟ ، وهل سيتبلّور موقف عربي تركي جديد لمواجهة الطموحات الإسرائيلية ، ويتم تشكيل محورٍ جديد ؟، مجرد تساؤلات ليس إلاّ .
أيّاً كانت الأمور فإن الرؤية لا تزال مشوّشة ، وكل الاحتمالات قائمة ، إيران لا تزال قوية ، ورغم الضربات الإسرائيلية فإنّ المفاعل النووي الإيراني لا يزال ينبض وبخير ، وإيران جادة ومستمرة في مشروعها ، واحتمالات المواجهة الإسرائيلية التركية لا تزال مطروحة ، حيث أن كلّ منهما يريد بسط نفوذه ، ومصالحه ومخططاته على الجغرافيا السورية على الأقل ، كما أن المحور الأمريكي مع حلفائه الأوروبيين يبدو في المرحلة الراهنة أضعف من محور الصين وحلفائها ، والعرض العسكري الصيني الأخير بمناسبة اليوم الوطني الصيني حمل أكثر من رسالة من خلال ما تمّ عرضه من أسلحةٍ متطوّرة وخطيرة عند الصينيين .
إن ما حدث ويحدث على الساحة الفلسطينية والعربية يؤكّد أن الشارع السياسي العربي مشحون ويشعر بالغربة والعزلة ، ويحمل حسّاً وطنياً وقومياً بشكلٍ عام ، ولكي يأخذ الشباب دورهم وبشكلٍ فاعل ، على الدول العربية استعادة قرارها ، والعمل بزخمٍ من أجل إعادة تشكيل مستقبل المنطقة ، بعيداً عن البؤرة الاستيطانية المحتلة ، وعدم السماح لها بامتلاك قرار المنطقة ومسار الأحداث فيها نحو سايكس بيكو 2 ، وتعزيز أمن ” إسرائيل ” ، علماً أن حلّ الصراع في فلسطين وإقامة دولةٍ فلسطينية من شأنه الحدّ من كلّ التوترات ويؤسس شرق أوسط أكثر أماناً واستقراراً وسلاماً .
الجميع يُدرك أن واقع الدول العربية مُعقّدٌ وشائك ومتواطئ بنفس الوقت ، والأنظمة تُدرك بأن مشروع الشرق الأوسط الجديد يؤكّد هيمنة ” إسرائيل ” على الإقليم ، وتصفية القضية الفلسطينية بالقوة ، وإقصاء أي طرفٍ من المشهد الإقليمي يُعارض ” إسرائيل ” .
أمّا الشعوب العربية معظمها يرفض أي مشروع ينال من الأمّة ويتجاوز القضية الفلسطينية ، في الوقت الذي تتمتع فيه دول عربية بعلاقات منفتحة مع ” إسرائيل ” ضمن مسار حسابات سياسية وإقتصادية بعيداً عن تبنّي الرؤية الإسرائيلية.
إن إسرائيل تعتمد على التفوّق العسكري لفرض سياستها وتوجهها بهدف أن تصبح مركزاً للتكنولوجيا والطاقة في المنطقة ، وتفكيك الدول التي قد تنافسها في الإقليم .
ويبقى الموقف الشعبي العربي وأحياناً الرسمي موقفاً ذو حساسية من أي مشروع هو عبارة عن إملاء خارجي أو استعماري جديد .
كاتب سوري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر