بقلم / كفاح عادل
يتدفق الخوف في شرايين الشارع اليمني كما تتدفق المبيدات الكيماوية المحظورة إلى الأسواق في مشهد يثير الرعب أكثر مما يثير الأسئلة. فبينما يتجدد الحديث عن مقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال وعن الوعي الاقتصادي والسياسي يتجاهل كثيرون كارثة يومية أشد فتكا وأقرب إلى الجسد من أي صراع خارجي: كارثة السموم الزراعية التي تدخل البلاد بلا رقيب وتستقر في التربة والماء والمحاصيل ثم في عقول الناس وأكبادهم وأعصابهم.
تتحول المزارع إلى مختبرات مفتوحة لتجريب المبيدات بعضها محظور عالميا وبعضها لا يحمل حتى أدنى مستوى من الإرشادات أو الضمانات. ورغم التحذيرات المحلية والدولية يستمر تدفق هذه المواد عبر قنوات نفوذ معروفة وأخرى مموهة في ظل غياب منظومة رقابة فعالة أو إرادة صارمة توقف العبث بصحة الناس.
تنهك التربة تستنزف المياه ويدفع المزارع البسيط دفعا لاستخدام تركيبات قاتلة يظن أنها الطريق الوحيد لمواجهة الآفات بينما هي في الحقيقة الآفة الأكثر شراسة.
لا يحتاج المواطن اليمني إلى تقارير طبية ليدرك حجم الكارثة. يكفي أن ينظر حوله ليرى حالة التهيج العام ..التوتر الاضطراب التعب المزمن الأمراض المتناسلة بلا تفسير واضح. يكفي أن يتذوق الخضار والفاكهة وقد صارت بلا رائحة ولا طعم أو أن يسمع المزارعين يشتكون من تراجع خصوبة الأرض ومن محاصيل تختنق قبل أن تنضج. حتى الخيارة البسيطة بات العثور على واحدة سليمة منها أشبه بالمستحيل في بلد أصبح فيه الغذاء مصدرا للخطر لا مصدراً للحياة.
قد تتعدد النظريات حول من يستفيد من إغراق اليمن بمثل هذه السموم وقد تتداخل المصالح الخارجية مع الداخلية لكن الحقيقة الثابتة أن الشعب هو الضحية الأولى والأخيرة. والأخطر من كل ذلك هو الصمت الرسمي أمام قضية تمس الأمن الغذائي والصحي والمجتمعي. فلو جرى تخصيص 10% فقط من الجهد المبذول في تنظيم ضرائب القات وتنفيذ حملاتها لكان بالإمكان الحد من دخول المواد المحظورة وتنظيم ما هو مسموح منها ووضع حد لفوضى تهدد جيل اليوم وجيل الغد.
اليمن اليوم لا يواجه مجرد مشكلة زراعية بل يواجه عملية انقراض صامت لا مجاز فيها ولا مبالغة. البشر باتوا يتحركون بحساسية غير مفهومة بانفعال غير مبرر وكأن السموم تسري في الأعصاب كما تسري في الماء والتربة. هذه ليست مبالغة صحفية بل صرخة وطنية يجب أن تسمع قبل أن يصبح الأوان قد فات.
إن وقف استيراد المبيدات الكيماوية المحظورة وتنظيم استخدامها ليس مطلباً فنياً أو بيئياً فحسب بل مطلب للحياة نفسها. فالشعب الذي يصمد في وجه الحصار والحرب والفقر لا يجب أن يقتل صامتا على يد مواد تباع في الأسواق بلا حياء وبلا ضوابط. حماية اليمنيين من السموم ليست خياراً… بل واجب وطني عاجل لا يحتمل التأجيل.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر