الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / الممرّ الأسود.. كيف يتجه قطاع غزة للنهاية؟

الممرّ الأسود.. كيف يتجه قطاع غزة للنهاية؟

د. ميساء المصري*

في عالمٍ اعتدنا فيه على الحروب المكشوفة، ظهر أمام أعيننا اليوم نموذج جديد من التهجير، تهجير بلا ضجيج، بلا بيانات رسمية، مخفي بلا جرافات تُهدم البيوت، بل عبر طائرات مدنية، وجمعيات مجهولة، وممرات جوية تُخفي بصمات من صمّمها. مئات الفلسطينين وجدوا أنفسهم في أفريقيا دون أن يعرفوا أين كانوا سيصلون، ومن أرسلهم، ولماذا لم تُختم جوازاتهم. تقول السلطات هناك إنها فوجئت. يقول الركاب إنهم صمتوا خوفًا. وتقول إسرائيل… لا شيء. ما هذا إن لم يكن تهجيرًا صامتًا يتقدّم في الليل بلا شهود؟…
العملية التي قادتها منظمة (المجد – أوروبا) لا تشبه أي مؤسسة إنسانية نعرفها. واجهة ضبابية، بلا مكاتب حقيقية، بلا أرقام هاتفية، بصور لمسؤولين تبيّن لاحقًا أنها مُولّدة بالذكاء الإصطناعي. ورغم ذلك، تصبح فجأة الممرّ الرئيسي لخروج آلاف الفلسطينيين من غزة. لكن خلف القناع، هناك لاعب أكبر وأوضح، مكتب الهجرة الطوعية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، المكتب ذاته الذي عمل لسنوات على البحث عن دول تقبل فلسطينيين، واليوم يدير عبر وسطاء ممرًا إنسانيًا مُصمَّمًا لتبدو فيه إسرائيل غير موجودة، بينما تسيطر على كل خطوة من الداخل. لا تُختم جوازات، ولا تُسجَّل عمليات خروج، ولا يُقال من أين خرجوا، ويبدو الفلسطيني عند وصوله إلى الدولة المستقبلة كأنه هبط من السماء. أليس هذا هو تهجير مع سبق الإصرار، مغلّفًا بإنكار مدروس؟.
حين تجد الدولة نفسها أمام بشر بلا وثائق خروج ولا مسار قانوني يفسّر وصولهم، فهذا ليس إجلاءً إنسانيًا، بل تسريب بشري وتفريغ مجتمعي يتم عبر دولة ثالثة أُرغمت على استقبالهم دون علم. ليس غريبًا أن يصف رئيس جنوب أفريقيا العملية بأنها ( Flushing out)، أي دفع الناس للخروج. لم يستخدم لغة دبلوماسية، بل لغة توثّق فعلًا سياسيًا مقصودًا.
الصمت المحيط بهذه العمليات ليس صدفة. فالتهجير القسري جريمة حرب، وأي وثيقة أو توقيع أو ختم قد يصبح دليلًا في محكمة دولية. لذلك يتم التهجير هذه المرة من تحت الطاولة غير مرئي ، حيث يُباع كفرصة سفر، ويُسوَّق كنجدة إنسانية، وتُنفّذه جمعيات مشبوهة تمرّ عبر مطار إسرائيلي لا يسمح للفلسطيني العادي بتجاوز بواباته أصلًا في أسوأ الظروف. إنه تهجير تم اختراعه ليبدو وكأنه قرار فردي ، والفصد تفريغ سكاني خبيث .
السبب الحقيقي وراء هذا المسار لا علاقة له بالأمن، بل بالديموغرافيا. فمنذ بداية الحرب، خرج ما يقارب أربعين ألف فلسطيني وأكثر من غزة، وفق تقديرات مختلفة. ومع انهيار المدارس والمستشفيات، وغياب مستقبل يمكن التمسك به، يتحول الخروج إلى خيار قسري لا تطوعي. الفكرة ذاتها ليست جديدة، غزة بلا سكان تعني غزة بلا مقاومة، وبلا كتلة بشرية قادرة على المطالبة بحقوق سياسية، وغزة بلا جيل جديد تعني تأجيل ملفّ الصراع نصف قرن آخر. إنها ما يسميه علماء السياسات( الهندسة السكانية تحت الضغط).
الرحلة التي كشفتها جنوب أفريقيا ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. فحين تتكرر الرحلات ، وتنتقل مجموعات من غزة إلى دول بعيدة عبر مطار رامون داخل إسرائيل، فهذا يعني وجود ممرّ تهجير شبه ثابت، ممرّ أسود قادر على الإتساع، وعلى التحول من 150 شخصًا إلى 500 ثم 3000 ثم 20.000 وما هو أكثر، دون أن يمتلك أحد القدرة على إغلاق الباب الذي يمرّ منه هذا الجوّ السري. الخطر ليس في الرحلات نفسها، بل في البنية التي تسمح بتكرار الرحلات.
نحن أمام لحظة وجودية، لا سياسية فقط. لحظة يتحول فيها شعبٌ أنهكته الحرب إلى شتات جديد يُصنع داخل طائرات مستأجرة، وبأسعار تُحوّل الألم إلى تجارة. وفي ظل صمت عالمي لا يمكن وصفه إلا بأنه صمت يسمح للجريمة بأن تتقدّم بثبات، يصبح السؤال المطروح ليس عن عدد الذين غادروا، بل عن معنى أن يخرج أحدهم من أرضه دون أن يعرف إلى أين سيذهب ولماذا.
لهذا يجب على الرأي العام والنخب، سواء في المنطقة أو في العالم، أن يفهموا طبيعة ما يجري، ما يحدث ليس ملف هجرة، بل عملية إعادة تشكيل للبنية السكانية. وليس عمل جمعية، بل سياسة دولة تستخدم جمعيات غطاء. وليس حدثًا عابرًا، بل مرحلة أولى ضمن مسار أكبر. والصمت الدولي ليس حيادًا، بل إقرار غير معلن. أما القبول الشعبي بخيار الهجرة، تحت القصف والجوع والإنسداد الكامل، فهو قبول غير مقصود بمسار تفريغ غزة خطوة بعد خطوة.
أخطر ما في التهجير الحديث أنه بلا صور. لا قوافل ولا حدود ولا صراخ. مجرد رسائل واتساب، وحافلة، ومطار، وطائرة، ودولة لا تعرف من وصل إليها ولا لماذا. هذا هو التهجير الذي يُكتب بلا حبر، والذي إذا لم يُكشف اليوم، سيعاد غدًا على نطاق أكبر، وبحرفية أكبر، وبصمت أطول. لم يعد السؤال، هل يجري تفريغ غزة؟ السؤال الحقيقي الآن هو، هل نسمح بأن يتحوّل هذا الممرّ الأسود إلى قاعدة دائمة، إلى أن يستيقظ العالم ذات يوم ليكتشف أن غزة لم تعد موجودة؟
*كاتبة سياسية أردنية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

د. ادريس هاني* كعادته، يضعنا الباحث والصحفي الفرنسي المميز تيري ميسان أمام حقيقة ما يخفيه …