الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / الساحل السوري بين الاتهامات السياسية والمطالب الوطنية المشروعة!

الساحل السوري بين الاتهامات السياسية والمطالب الوطنية المشروعة!

د.حسن مرهج*
في سياق الصراع السوري المعقد، يبرز الساحل السوري كمحور لجدل سياسي حاد، إذ تسعى بعض الجهات المحلية والإقليمية إلى إدراج هذه المنطقة في معادلات جيوسياسية تُصوِّرها كمصدر رئيسي للأزمات السورية، محاولين تصوير أهلها كقوة انفصالية تهدد وحدة البلاد. هذا الخطاب ليس مجرد خطأ تحليلي بل استراتيجية سياسية تهدف إلى تحميل الساحل مسؤولية الفشل الوطني العام، متجاهلةً السياق التاريخي والاجتماعي الذي يفسر مطالب أهله. في الواقع، تكمن جذور هذه المطالب في رد فعل مشروع على سلسلة من الانتهاكات والمجازر المنهجية، حيث تحولت المنطقة إلى ساحة للمجازر والتهجير القسري، مما يجعل أي تفسير انفصالي لمطالبها تبسيطًا مخادعًا.
يُكرَّر الادعاء بأن أهالي الساحل يسعون إلى الانفصال كشعار سياسي يهدف إلى تعزيز الاستقطاب الطائفي داخل سورية وخارجها، وهذا الكلام غير دقيق موضوعيًا، إذ لا توجد أدلة موثقة على حركات انفصالية منظمة في الساحل، بل على العكس، تُظهر الوثائق والتصريحات الرسمية للمكونات المحلية تركيزًا على الحفاظ على الحقوق بعد سلسلة من المجازر التي استهدفت أهالي الساحل السوري والتي أسفرت عن مئات الشهداء والمفقودين، وهذه الأحداث لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل جزءًا من نمط استهداف يعتمد على التمييز الطائفي، مما دفع الأهالي إلى المطالبة بحماية هويتهم الثقافية والديموغرافية دون الخروج عن الإطار السوري الوطني.من الناحية السياسية، تُستخدم هذا الاتهامات لتبرير سياسات مركزية قمعية، حيث يُصوَّر الساحل كـ”ورقة ضغط” إقليمية تُدار من قبل قوى خارجية، لكن التحليل الدقيق يكشف أن مثل هذه الروايات تخدم مصالح سياسات الجولاني، ونظام الجولاني أساساً يخشى أي مطالب لامركزية قد تُضعف قبضته. في الواقع، يعكس هذا الخطاب فشل النخب السياسية في بناء دولة تشمل الجميع، حيث تحول الساحل الغني بالموارد الزراعية والبحرية إلى رمز للتهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي أيضًا، مع نسبة عالية من الفقر رغم مساهمته في الاقتصاد الوطني.
تتركز مطالب أهالي الساحل حول ثلاثة محاور أساسية، تُعبِّر عن رغبة في الإصلاح الوطني لا التفكيك:
أولاً- إنهاء الانتهاكات: بعد المجازر التي ارتكبها نظام الجولاني، يطالب الأهالي بمحاسبة مرتكبي الجرائم عبر آليات عدالة انتقالية مستقلة، مستلهمين نماذج مثل لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا. هذا ليس انتقامًا، بل ضمانًا لعدم التكرار، خاصة مع استمرار التوترات الأمنية وحالات الخطف والقتل الممنهج.
ثانياً
– التمثيل السياسي العادل: يرفض الساحل التمثيل الرمزي في دمشق، مطالبًا بحصص حقيقية في أي حكومة انتقالية، تعكس التركيبة السكانية المتنوعة، وهذا يعني إصلاحًا دستوريًا يضمن مشاركة في صنع القرار، لا سيما في قضايا الأمن والاقتصاد المحلي.
ثالثاً- اللامركزية الإدارية: ليست الفيدرالية أو الانفصال، بل نموذج لامركزي يمنح المحافظات صلاحيات في التعليم والخدمات والأمن المحلي، وهذا يعزز الاستقرار من خلال الاعتراف بالتنوع، ويمنع تحول الساحل إلى نقطة اشتعال إقليمية.
في النهاية، تمثل “ورقة الساحل” عنصرًا وطنيًا أصيلًا، يهدف إلى تعزيز الكرامة الإنسانية والعيش المشترك ضمن ضوابط سياسية واجتماعية صارمة، وغايتها ليست الاستقلال، بل إعادة صياغة الدولة السورية ككيان تعددي يحمي الجميع، بعيدًا عن الاستبداد المركزي أو التدخلات الخارجية. تجاهل هذه الورقة يعمق الأزمات، بينما دمجها في حوار وطني يمكن أن يكون مفتاح الاستقرار، ويتطلب ذلك نخبًا سياسية تتجاوز الاتهامات الرخيصة نحو بناء تحالفات داخلية، لتحويل الساحل من “مشكلة” إلى “حل” لسورية المستقبل.
*أكاديمي ومحاضر وخبير الشؤون السورية والشرق أوسطية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

د. ادريس هاني* كعادته، يضعنا الباحث والصحفي الفرنسي المميز تيري ميسان أمام حقيقة ما يخفيه …