الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / إرهاب منظومة القضاء… وحروب إسقاط الدول!

إرهاب منظومة القضاء… وحروب إسقاط الدول!

المهندس. حسام محرم*
في فلسفة حروب العصر الحديث، يبرز إرهاب منظومة القضاء، أو اختراقها، وإفسادها، وتشويهها كأحد أخطر أدوات حروب الجيل الرابع والخامس. إن الهدف النهائي لهذه المخططات ليس مجرد تعطيل المحاكم، بل إشاعة المظالم في المجتمع وفي الجهاز الإداري للدولة، وغل يد منظومة العدالة عن رد الحقوق؛ مما يؤدي إلى “تآكل شرعية الدولة” أو التحلل الداخلي للدولة وانهيار مفاصلها من الداخل دون الحاجة لجيوش نظامية.
وقد سجل التاريخ نماذج دموية لمحاولات إخضاع وترهيب العدالة؛ ففي إيطاليا، اغتالت المافيا القاضي “جوفاني فالكوني” عام 1992 بتفجير ضخم لإثناء القضاء عن ملاحقة شبكات المافيا الإيطالية. وفي مصر، حدثت منذ الأربعينات حوادث معلنة وغير معلنة لاستهداف القضاة (والمنظومة السابقة أو اللاحقة لها) أو الضغط عليهم، سواء من جانب شبكات مصالح وجريمة منظمة أو شبكات إرهابية أو من مسؤولين فاسدين ذوي نفوذ وسطوة وبشكل مستتر لم يصل إلى الإعلام، بل وصل الأمر إلى إلغاء هيئة الرقابة الإدارية برمتها (كأحد أطراف منظومة العدالة) انتصاراً لأحد كبار المتورطين يوماً ما، فضلاً عن إسقاط الوزير المحترم أحمد رشدي انتصاراً لعصابات الفساد والجريمة المنظمة المركوبة من الداخل والخارج.
وكل هذه الوقائع هي بمثابة رسائل ترهيب للمحترمين من “القضاة والضباط والموظفين المدنيين في الجهاز الإداري للدولة” والذين يؤدون عملهم بشكل مهني غير مسيس وغير مؤدلج بعيداً عن أجندة الدولة الموازية المركوبة من الشبكات التخريبية الخارجية. وكل ذلك يهدف إلى كسر هيبة الدولة وتيئيس المجتمع من أن ينال حقوقه من مدخل القانون ومؤسسات الدولة، ودفعه للاحتماء بالدولة الموازية التي تضم تحالف “البلطجة والفساد والجريمة المنظمة والإرهاب” وهو تحالف تخريبي يعمل كطابور خامس ويستخدم كأداة من أدوات الجاسوسية التخريبية الأجنبية المعادية.
لا يتحرك الإرهاب ضد القاضي وحده بل يمتد هذا الاستهداف ليشمل كافة “الفرق المكملة” لمنظومة العدالة؛ بدءاً من منظومة التحريات ثم التحقيقات، مروراً بالطب الشرعي والخبراء، وصولاً إلى المكاتب الفنية والإداريين المعاونين للقضاة والمحامين، وحتى السجان الذي يتحفظ على المجرم بعد تنفيذ الحكم على المجرمين. والهدف هو تلغيم مسار القضية في أي من حلقاتها لضمان “الإفلات من العقاب” إن أمكن، أو خطة بديلة للهروب من التنفيذ إذا تيسر ذلك، أو البديل الأخير وإن أمكن وهو أن يتم تحويل السجن إلى جنة لأنصار شبكة الفساد أو جحيم لأعدائها الذين دخلوا في خصومة مع شبكة الفساد وأصحاب رؤوس الأموال المشبوهة، وفي حالات أخرى يتم إيداعهم في مصحات نفسية بدعوى الجنون والمرض النفسي الذي أصبح في بعض الأحيان ستاراً للاغتيال المعنوي لخصوم هذا التحالف القذر.
ولاشك أن لهذا الاستهداف والإرهاب لمنظومة العدالة تأثيرات خطيرة على دولة القانون، فعندما تنجح محاولات إرهاب أو اختراق القضاء، تقع الدولة في فخ “التحلل المؤسسي”، حيث يصبح القاضي تحت ضغط الخطر على حياته أو مستقبله أو ترقياته أو مصالحه. كما يتأثر الاستثمار الجاد فلا رأس مال محترم يجرؤ على العمل في بيئة يخشى فيها القضاء من مراكز القوى والفساد والجريمة المنظمة. كما تتراجع الثقة الشعبية عندما يعجز القضاء عن رد الحقوق مما يدفع المواطنين لأخذ حقوقهم بأيديهم، مما ينذر بالفوضى وقانون الغابة وشيوع شبكات البلطجة كبديل لدولة المؤسسات.
مقترحات عملية لمواجهة هذه التحديات القضائية والعدلية
وحتى نكون عمليين في مواجهة هذا التحدي، فإنه ينبغي أن نطرح خارطة طريق عملية ومبسطة وقابلة للتنفيذ على وجه السرعة، وأهمها في الحالة المصرية كنموذج للعالم العربي الإجراءات الآتية:
تطوير وتقوية التفتيش القضائي من خلال مدّ مظلة الرقابة لتشمل جميع القضايا بلا استثناء، وهو ما يستلزم تبني مقترح يقضي بالاستعانة بجميع شيوخ القضاة المتقاعدين كخبراء (بخلاف المحالين إلى الصلاحية أو نحو ذلك) حيث يتم استمرارهم في الخدمة كخبراء معاونين للتفتيش القضائي بعيداً عن منصة القضاء على غرار “نظام الأستاذ المتفرغ في الجامعات”، على أن يستمر عملهم حتى سن الـ 75 أو ما بعده وفقاً لاعتبارات الصحة الذهنية والعامة للقاضي أو الخبراء، مع توزيع القضايا على هؤلاء الخبراء بشكل عشوائي لمنع أي اختراقات أو تربيطات أو ضغوط، مع متابعة دقيقة لكل القضايا من بدايتها وحتى نهايتها من أجل الكشف الفوري لأي ممارسات غير سليمة في مهدها وعدم الانتظار حتى تكتمل المظلمة أو المخالفة حتى النهاية. كما يمكن دعم منظومة التفتيش القضائي بالذكاء الاصطناعي إذا لزم الأمر، وهو ما يقتضي استكمال التحول الإلكتروني في المنظومة القضائية حتى يمكن متابعة الإجراءات بالذكاء الاصطناعي.
توفير حماية ومتابعة دقيقة لمسار القضايا الخطيرة التي تمس شبكات مصالح أو فساد كبيرة أو صغيرة لتوفير حماية للمشاركين في القضية، وتوفير رقابة ومتابعة أمنية ومؤسسية دقيقة لكل متورط لضمان حسن سير القضية، بداية من “محضر التحريات” الأول وصولاً إلى ما بعد “تنفيذ الأحكام” النهائية، لمنع أي محاولة لتحييد أي حلقة من حلقات المنظومة.
إنشاء إدارات تحت مسمى “حماية منظومة العدالة” في الأجهزة الأمنية الرئيسية (المخابرات العامة، الرقابة الإدارية، الأمن الوطني، الاستخبارات العسكرية، والأموال العامة) تهدف لضمان النزاهة والحماية لكافة أطراف وحلقات المنظومة، ومنع أي إرهاب أو اختراقات أو ضغوط أو تهديد أو إغراءات قد تعطل إقرار العدل من كافة المراحل بالتعاون مع القضاة والمحامين والجهاز الإداري للدولة وغيرها من الأطراف ذات الصلة.
إن الوعي بأن تخريب منظومة العدالة بكافة حلقاتها (بداية من فريق التحريات وحتى السجانين) سواء بطرق الترهيب أو الاختراق أو الإفساد أو الضغط أو التحييد أو غيرها من الوسائل هو جزء من حروب الجيل الرابع والخامس، وهو ما يفرض علينا حماية هذا الركن الهام من أركان الدولة الحديثة واعتباره بمثابة قضية أمن قومي. إن الدولة التي تسمح بضياع الحقوق وإشاعة المظالم والمفاسد عبر “مدخل التقاضي” أو عبر تعطيله، هي دولة تفتح أبوابها للفوضى والهمجية والسقوط صريعة تلك الحروب الخبيثة المسماة بحروب الجيل الرابع والخامس. لذا، فإن تحصين منظومة العدالة بكافة عناصرها (بحلقاتها السابقة واللاحقة… والحلقات المدنية الموازية والمكملة لها) هو السبيل الوحيد لإجهاض مخططات الهدم، ليبقى القضاء صخرة تتحطم عليها أوهام تحالف الجاسوسية التخريبية والفساد والجريمة المنظمة والإرهاب المخترق والمركوب.
*كاتب سياسي ونقابي مصري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

د. ادريس هاني* كعادته، يضعنا الباحث والصحفي الفرنسي المميز تيري ميسان أمام حقيقة ما يخفيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *