الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / العرب والدور المحوري في توازن القوى الدولية!

العرب والدور المحوري في توازن القوى الدولية!

نايف القانص
بعيداً عن الخلافات العربية العربية وتبايناتها وتأثيراتها السلبية على القضايا العربية المحقة والأمن القومي العربي في ظل تعدد الاقطار العربية واختلاف أنظمتها وتوجهاتها السياسية وما تتعرض له بعض الاقطار العربية من أعمال عدوانية استعمارية لمحاولة تجزئتها وإضعاف قوتها، يبقى فضاء الجيوبوليتيك العربي (اليابسة ما بين المحيط الاطلسي وآسيا – المحيط الهندي – الهضبة الإيرانية – والجسر البري للأناضول “آسيا الصغرى” ) أحد أهم العوامل الذي يؤهلها كي تكون قوة عظمى تغير من موازين القوى الدولية إضافة إلى الموارد وإن غاب العامل الثالث (القوة) نتيجة التجزئة وعدم توحيدها ، وما أفرزته الحرب العالمية الأولى والثانية من اختراق للجغرافيا العربية بزرع كيان غريب في قلبها وإضعاف قوتها العسكرية نتيجة التفتيت ، ومع ذلك ما يزال عامل اللغة والثقافة والتاريخ المشترك إلى جانب الجيوبوليتيك والموارد يؤهلها للعب دور محوري وأساسي في تغيير موازين القوى الدولية.
و بالعودة إلى الجيوبوليتيك العربية التي تقع بين الهضبة الإيرانية الأكثر محورية في الشرق الأوسط الكبير والجسر البري للأناضول ” آسيا الصغرى” ومع تميز الهضبة الإيرانية بوحدة الدولة وكذلك الحال لجسر الأناضول البري وهما في حدود مباشرة مطلة بجبالهما على الصحراء العربية من شمال العراق كما تمتد الحدود التركية مع سورية في تداخل جغرافي مباشر والتي تحتل لواء إسكندرون منذ 1939م وقد شكل هذا التداخل تهديداً للأمن القومي العربي وأمن واستقرار سورية منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا، الأمر ذاته مع إيران وتداخلها في الحدود البرية والبحرية مع العراق ودول الخليج العربي وهو أحد أسباب الحرب العراقية الإيرانية وتوتر العلاقات الخليجية الايرانية.
ومع ذلك تظل الأبعاد الاستراتيجية للأمم الثلاث العربية والإيرانية والتركية على رقعة جغرافية لها أبعاد جيوسياسية أكثر من أي رقعة غيرها على سطح الكرة الأرضية.
و بعيداً عن الخلافات السياسية نتحدث عن منطقة تمتد في خاصرة العالم مثل الشريحة الأفقية التي تبدأ من المغرب في الغرب وحتى مشهد في إيران شرقا، ومن تركيا في الشمال وحتى اليمن في الجنوب. وهذه الشريحة الأفقية ليست كمثل غيرها، ليس فقط بسبب احتياطيات الطاقة الموجودة في أراضيها، بل لأن هذه المنطقة بسبب موقعها الجغرافي المتحكم في الطرق البحرية الدولية، حددت وما زالت تحدد مسارات الصعود والهبوط للقوى العظمى منذ القرن التاسع عشر على الأقل وحتى الآن.*
ففي بداية القرن التاسع عشر ومع اشتعال الحرب العالمية الأولى كانت الجغرافيا العربية هدف أساسي للقوى الدولية (بريطانيا – فرنسا) واتفاقية سايكس بيكو في تحديد مراكز النفوذ في الهلال الخصيب عام 1916م ، تبع ذلك وعد بلفور عام 1917م لإعلان دعم تأسيس ” وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين ومع تأسيس عصبة الأمم التي أعطت حق الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1922م ليدخل حيز التنفيذ 1923 عقب التوقيع على معاهدة لوزان وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية نهاية عام 1947م لتسلمها للكيان الصهيوني الذي أعلن دولته على جزء كبير من أرض فلسطين ليتوسع تدريجياً محدثا أكبر اختراق في الجيوبوليتيك العربية عبر التاريخ المعاصر لتصبح بؤرة صراع يهدد الأمن والسلم الدوليين.
ومع وأثناء الحرب الباردة، بقى الوطن العربي محور صراع بين القطبين حتى انتهائه عام 1991 بتفكيك الاتحاد السوفييتي وانفراد القطبية الأحادية، التي قامت بغزو العراق ومحاولة تجزئته وما يزال يعاني من ذلك الغزو حتى اليوم.
لقد شكل النظام الدولي الجديد حالة عدم استقرار في العالم بشكل عام وفي الوطن العربي بشكل خاص مستخدما ورقة الحرب على الإرهاب الذي كان في الأساس صنيعة السياسات الأمريكية منذ الحرب الأفغانية السوفييتية وعقب أحداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001م الذي انتهت بغزو العراق.
ومع تراجع قوة أمريكا في المرحلة الراهنة والمتغيرات الدولية التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية التي تعمل روسيا من خلالها على تثبيت الجيوبوليتيك الروسي (الأوراسية) محاولة إيجاد حلف قاري راسخ مع القوة التي تتجاوب استراتيجياً وايدلوجياً وثقافياً مع التوجه الأوراسي المعادي للأمركة.
بيد أن الوطن العربي والاقليم المحيط به مشتت في اللحظة الراهنة إلى حد بعيد وفي داخله اتجاهات إيديولوجية وسياسية مختلفة، بالإضافة إلى مشاريع جيوبوليتيكية يناقض أحدها الآخر.
القومية الإيرانية ذات النمط القاري، المعادي لأمريكا، وللأطلسية فعالة من الناحية الجيوبوليتيكية.
النظام العلماني التركي ذو النمط الأطلسي، وهو يتشدد على الخط البانتوركي.**
ليبقى المشروع العربي في حالة انقسامات متناقضة
العروبية التي تدعو إليها سورية وتتوافق معها الجزائر وتونس وليبيا واليمن وسابقاً(العراق والسودان ومصر) ولكن واقع العدوان والحروب الإرهابية التي مرت بها سورية وتمر بها اليمن وليبيا حاليا والمتغير الجديد في السودان أضعف هذا المشروع سياسياً لكنه يتميز بقوة جماهيرية شعبية عربية كبيرة في مختلف الأقطار العربية.
من جهة أخرى يشكل المشروع العربي المتحالف مع امريكا والغرب الذي تتزعمه السعودية يضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن والعراق التي انضمت حديثاً جيوبوليتيك مترابطا جغرافيا.
محور المقاومة تتزعمه ايران ويضم العراق وسورية ولبنان (حزب الله) واليمن (أنصارالله) ويشكل هذا المحور جيوبوليتيك هام.
وفي وسط هذه المشاريع المتناقضة الكيان الصهيوني الذي يعمل جاهدا للإسفاد من كل ما سبق لعمل خرق وتفتيت في الجيوبوليتيك العربية مستفيدا من الخلافات العربية وحالة العداء من بعض الانظمة العربية مع إيران والدعم الأمريكي له والعلاقات القوية مع تركيا، ليبقى واقع العرب كما هو ليكون الرابح الوحيد من الوضع الراهن وهو ما يحدث بالفعل من خلال السياسات أو الجيوبوليتيك بعد تحويل مضيق تيران إلى مياه دولية بعد انتقال تيران وصنافير من التبعية المصرية إلى التبعية السعودية.
وفي الناحية المقابلة ونظرا لما تتمتع به إيران من الثوابت الجيوبوليتيكية فإنها الأكثر استفادة من المتغيرات الدولية وتستجيب لجميع المعايير الأوراسية كونها دولة قارية كبرى تقع في القارة الأسيوية الصغرى وهي دولة غير قانعة ولديها كل المقومات لتصبح دولة كبرى وتمتلك مشروعا استراتيجيا وقد يتشكل في ظل هذه المتغيرات محور(طهران – موسكو) والذي سيعمل على حل عدد كبير من الاشكاليات التي تواجه إيران وموسكو نتيجة الحصار وهو ما تهدف إليه روسيا بعد توتر علاقاتها مع الغرب نتيجة الحرب على أوكرانيا ويعزز ذلك أيضاً قربها من الصين والمصالح المشتركة التي تربطها بالصين.
لتبقى الجيوبوليتيك العربية مركز التجاذبات الدولية ومحط أطماع القوى الإقليمية والدول العظمى نظرا لعدم وجود مشروع عربي مستقل.
اليوم يحتاج العالم العربي إلى إرادة سياسية جامعة تذوب من خلالها كل المشاريع المتجزئة حتى تتمكن من مواجهة المشاريع الإقليمية والدولية وتستفيد من المتغيرات الدولية فلم يعد هناك ما يخوف العرب فكل عوامل القوة بأيديهم بداية بالموقع ( الجيوبوليتيك) والثروة ( سلاح النفط والغاز) وغيرها.
فقط، كل ما يحتاجونه هو قرار سياسي شجاع يتجاوز كل الخلافات والجروح كما تجاوزته أوروبا بعد حرب ثلاثين عام وحربين عالميتين.
فهل سيستفيد العرب من كل ما مضى؟
وهل سنرى مراجعة شاملة لكل السياسات والمواقف على مستوى الأنظمة والأحزاب والطوائف والأفراد وهل سيتغير الخطاب بما من شأنه أن يشكل رافعة نحو أفق عربي جديد؟
وهل تكون قمة جدة انطلاقة لقرارات مستقلة وشجاعة بما يخدم المصالح العربية المشتركة ويحقق الامن القومي العربي؟ والتي رأينا فيها استقلالية بعيدا عما كانت تريده أمريكا فبداية الغيث قطرة؟
هل نرى قمة عربية في الجزائر تختلف عن كل القمم السابقة تحضرها كل الدول العربية وعلى رأسها سورية؟
وهل سنرى العرب أحد الأقطاب الدولية المساهمة في المتغيرات الدولية وتكون شراكة متكافئة ومتوازنة مع الصين وروسيا والفاعلين الجدد في المتغيرات الدولية؟
عن راي اليوم

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …