الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / غزّة مرقد حطام الرحلة العبرية الأخيرة

غزّة مرقد حطام الرحلة العبرية الأخيرة

خالد شحام*
لا شيء يحاكي المشهد العربي إلا لوحة من لوحات بيكاسو السريالية حيث الدنيا فيها مصنوعة من معالم اللامنطق واللاعقل واللاوعي وحالة من تصادم المتضادات مع بعضها البعض في لحظات الحقيقة الأخيرة .
تمثل الحرب السريعة التي شنت على غزة في الأيام الماضية وما أعقبها من حملات امنية مسعورة في داخل أراضي الضفة الغربية معرضا للتامل ليس في المعاناة الفلسطينية بل في هذه المشاهد العربية العجائبية التي تتفرج على المسلخ ، وبقدر ما طرحت هذه الحرب من تساؤلات وأثارت من شبهات وجدالات ومخاوف على المقاومة الفلسطينية إلا أن الصور السرابية لا يمكنها أن تكون بديلا عن الحقيقة ، والكليشيهات المعلنة والمنصوبة في عيوننا لا يمكنها أن تكون بديلا عما يمكن للعقل أن يراه ويفهمه، هنالك حقائق يجب أن توضع على الطاولة ويتم فهمها جيدا تجنبا لإفساد المنطقة المتبقية من الوعي:
يجب أن نفهم أن هذه الحرب ليست جزءا بعيدا عن ظلال زيارة الرئيس الأمريكي بايدن للمنطقة في الشهر الماضي وقمة جدة المصغرة بأضلاعها العربية ، وإن كان هنالك من تبرير للسلوك العدواني لدولة الكيان في هذه الحرب فهو أنها جزء لا يتجزأ من عقيدة الجبناء والمجرمين المستعدين لقتل الأبرياء وإسالة الدماء في مساحة يحاصرونها بكل ما اوتيت تقنيات القرن الحادي والعشرين من قوة لأجل استعراض عضلات الصراع القيادي في داخل دولة الكيان ، يرتبط بهذا المعامل أيضا وبشدة غياب العمليات النوعية الداخلية التي تلاشت فجأة من المشهد بعد أن تحركت جيدا في متسلسلة ايجابية لتختفي فجــاة وتضع مكان ذلك علامات تعجب إضافية.
بإشهار الحركة التي قامت بها بيلوسي في زيارتها لتايوان في الأيام الماضية فيمكننا القول بأن زيارة بايدن في نفس النقطة المذكورة ربما كانت أشبه ببدء تسليم ملف الشرق الأوسط ونقل دفة القيادة الاقليمية للكيان الصهيوني لاستلام إدارة هذه البقعة من العالم وبالتالي فهذه الحركة بحد ذاتها تعني أن الولايات المتحدة قد قررت التفرغ والمضي في المواجهة الحقيقية للملف الصيني في ظل إشغال العدو الروسي في الفخ الأوكراني وإشغال العالم بطعامه ووقوده ومياهه ، وبما ان غزة والشعب الفلسطيني هو محرقة التدريب والتأديب الخاصة ببني اسرائيل فكان لزاما ترجمة هذا الكبرياء ببعض القرابين والأطفال الفلسطينين المحترقين أمام ناظري العالم ليفهم أن الدولة العبرية هي صاحبة الكلمة الأولى في المنطقة، إضافة إلى أن ذلك أصبح نوعا من ممارسة رياضة الحملات الانتخابية القائمة على القرابين ، ولذلك يتوجب على غزة أن تتلقى بين الحين والآخر بعض الركلات بالنيابة عن كل فريق مكافحي الارهاب في المنطقة العربية حيث لا سائل ولا مسؤول.
سجن أو منفى غزة في ذهنية المخططين الصهاينة لا يمثل إلا ثلاثة أشياء: عزل وسيطرة على المكونات التي تشكل تهديدا للكيان من خلال استراتيجية الصندوق المغلق والتي يجري تطبيقها نسبيا على ايران بنفس النهج – ساحة استعراض وتأديب مباحة بلا رقيب ولا حسيب لأي كيان عربي يحاول شق عصا الطاعة – بؤرة تشتيت سياسي عن الأهداف الحقيقية التي تنساب من المغرب إلى المشرق في المنطقة العربية لابتلاع عواصم العرب إداريا واقتصاديا ثم عسكريا في المرحلة الختامية وهذا ما يجري بالتمام والكمال.
نجح العدو في لعبته الأخيرة بوضع أسافين في عقول طبقات واسعة من الشعوب العربية وخاصة أولئك المصابين بالحكاك من الايديولوجيا الإسلامية للمقاومة الفلسطينية ويستميتون بربطها بمرجعيات ايرانية أو أخوانية أو تركية -قطرية ويروجون لإتصالات أمريكية وخلافات داخلية ، حدث ذلك عندما لعب لعبة تخصيص الضربة الجراحية للجهاد الإسلامي ووضع سجل المقاومة الفلسطينية المتمثلة في حماس في دائرة التشكيك والتنحية مقابل صفقة تآمرية عربية بتقليص مدة وحجم العقاب لغزة وأظهر قرار المقاومة وكأنه في غير يدها ، نسي الجميع حجم الحلبة وعدد الحكام وعدد الخصوم وفرادة المقاتل الوحيد وحجم الضغط الذي يتعرض له ، نسي الجميع أن حماس وكافة الفصائل الفلسطينية مستعدة للموت لآخررجل فيهم وأثبتوا ذلك بالدليل القاطع ولكنهم مؤتمنون أيضا على حياة 2 مليون فلسطيني يعيشون في القطاع المسجون ولسنا في مكانة القرار عنهم او الإفتاء بالنيابة عنهم و لو أن السكون أثار حفيظتنا.
كما يثبت كل مرة وكل اختبار فإن الذي يعيش في الخطر الوجودي الحقيقي ليس غزة ولا روح المقاومة الحبيسة فيها إنما هو الشعوب العربية التي وصلت إلى نقطة الغيبوبة المعيشية والتهميش الكامل وتمكن التخطيط الصهيوني بمساعدة الأنظمة العربية من تحييدها كليا من معركتها الحقيقية وتحويلها إلى كتلة بيولوجية تعيش لتأكل وتنام وتعمل وتعجز حتى عن الإتيان بإعتراض أو تضاد أو ثورة لما تعانيه من قتل وتطفيش وحبس وتجويع وتقسيم على المكشوف بفعل اليد الصهيونية التي تعمل بقوة في كامل المنطقة العربية ، هذه الشعوب هي التي تشكل الفريسة الحقيقية للكيان الصهيوني الذي يفتح فاهه اليوم لابتلاعها بالكامل من خلال إحكام السيطرة الإدارية والاقتصادية ثم السياسية لكل عواصم العرب ذات الثقل .
في جردة حساب بسطية على قصاصة ورق وفي جزء اخر من المشهد السريالي العربي الذي لا يكاد يصدق نكتشف أننا جميعا تحولنا إلى دول وظيفية مهمتها الإنحناء والتسهيل للحركة الاستعمارية الجديدة التي تغشى المنطقة ، تم تغييب كل الدول العربية ذات الثقل والتأثير وأصبحت بالكاد تستر على نفسها وبالكاد تتمكن من تأمين بقائها فما بالكم بان تقف في صدارة المشهد أو تحاول الوقوف أمام الدولة العبرية أو تتجرأ بإطلاق تصريح مضاد ، أين العراق يا حسرة ؟ أين اليمن وسوريا وليبيا التي ضاعت في المجهول ، الجزء الأكثر رعبا هو كيف نتسابق لعمل ( تهدأة ) أو ( وساطة ) تضغط بكل ثقلها وبكل حضورها التاريخي كي تعقد صفقة كتم الصوت الفلسطيني والدوس عليه بعوامل إنسانية قسرية ليرضخ تحت جراحه وعوزه البشري لإملاءات الجانب الصهيوني ، هل الصورة صحيحة ؟ ؟ هل ما نراه يطابق ما هو مخزون في داخل هذا الوعي المثير للجنون ؟
إن المقاومة العربية بصيغها الفلسطينية واللبنانية والعراقية واليمنية لا تتعاطى الأفيون الاسرائيلي وليست غائبة عن كل الحسابات في المشرق والمغرب وكلنا ثقة فيها وبوفائها وعهودها ولن يتم التهليس علينا بأنها تخلت أو تغاضت أو مارست لعبة الثلاث ورقات على حساب شعوبها ، لن يتم الضحك علينا بأن قرارها خاضع للمجوس أو ابن المنحوس ولن يشكك أحد او يطعن في سجلها النظيف ورصيدها الذي انقذ شرف الأمة ، لو كانت فيكم ذرة من شرف أو كرامة لما احتاجت المقاومة العربية إلى ايران أو تركيا أو غيرهما ، ولو وجدت المقاومة يدا عربية تشد على يدها او تربت على كتفها لما تجرأت دويلة الكيان على إطلاق قذيفة واحدة نحو غزة ، لو دعمتم غزة كما فعلتم مع أوكرانيا لما وصلنا إلى هذا المنعطف الحرج.
لو افترضنا بأن ( التهدأة ) استمرت لعشرات السنوات ودام السكون الذي يريده محبو السلام والحمام على غزة وعموم فلسطين ، فهل يعني هذا بأننا جميعا أصبحنا أسرة عربية – اسرائيلية سعيدة واحدة ؟ ماذا بشأن الاحتلال وسرقة البلاد وخيراتها ؟ ماذا بشان الأسرى والشهداء والسجناء ؟ ماذا بشان الكرامة المنهوبة والذل المسلط على بلادنا ؟ ماذا بشأن لبنان وسوريا والعراق والعبث في مصير مصر وسد النهضة ؟
حكاية غزة الفلسطينية ليست الجهاد الاسلامي ولا حماس ولا هي المدينة المنبوذة التي نسيها العالم ، هي حكاية مصير العرب والقضية العربية التاريخية التي تتربع اليوم على أكبر معاملات الهزائم ، غزة اليوم تحمل هم القضية الفلسطينية بعنوانها وكفاحها مهما حاولوا الترويج للعكس وهي بذلك تحمل هم القضية العربية المبتلاة بالحضور الصهيوني – الأمريكي ، وفي ظل ما تشهده غزة وتنوب عنه فالصورة الحقيقية تقول بأن عواصم العرب هي محض خرابات كبيرة ، خرابات واطلال صامتة مصيرها تمت كتابته على يد حكام العرب عندما قرروا أن مصيرهم وبقاء حكمهم مربوط بألفونسو الجديد الذي استولده التاريخ نسخة عن ألفونسو القديم في نفس الدورة الزمنية التي استعبدت ملوك الطوائف في العهد القديم .
الحالة المعلقة في غزة والتي تنوب عن الحالة المعلقة للقضية الفلسطينية لن تدوم إلى الأبد ومسألة الكرامة الفلسطينية التي ستنفجر هي مسألة وقت لا يحلها بعض الوقود والمعونات ومطار وأكذوبة إعادة الإعمار، لا تحلها سلطة اوسلو وعمليات الاعتقال والتنظيف الدورية للبحث عن المقاومين ومحاكم التفتيش العربية ، غزة فرضت نفسها بأن تكون نار الافتتاح التي ستجر النار والسعير على دولة الكيان وذلك بالنيابة عن كامل الأمة المخدرة ، غزة هي التي سوف تعيد ضخ دماء الكرامة وهواء الحرية في عروق الأمة النائمة وفصائل المقاومة فيها هي التي ستحشد روح الأمة وشباب العرب على قلب واحد تماما كما فعلت معركة سيف القدس التي غيرت مجرى المصير.
غزة والضفة والمدن التي تقع تحت القصف والموت هي التي سوف تنجو في المعادلات السريالية للكون الذي وضع قانونه رب قدير ، مدن العرب الأخرى التي تلعق العسل الاسرائيلي وتعيش تحت وصاية النجمة السداسية هي التي سوف تندثر، غزة الجبارة بشعبها الفلسطيني الجبار ليست سوى واحدة من المدن الفلسطينية التي ستكتب كلها نهاية الرحلة العبرية ونهاية الأسطورة الكاذبة ونهاية الاستعلاء الأرضي الكبير والله من ورائهم محيط !
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …