الأربعاء , سبتمبر 28 2022
الرئيسية / اراء / قراءة تحليلية للعدوان

قراءة تحليلية للعدوان

د. صالح الحاج*
شهد العالم بأسره العدوان الإسرائيلي الغادر والوحشي الأخير على غزة، والذي بدأ يوم 5 آب/ أغسطس الجاري واستمر ثلاثة أيام… شاهد العالم بأسره غزة وهي تضرب ضرباً عنيفاً بأعتى آلات الدمار، وبمئات الأطنان من القذائف. بدأت جولة العدوان الأخير في غزة، عصر الجمعة، بعملية اغتيال إسرائيلية للقيادي العسكري البارز في حركة الجهاد الإسلامي تيسير الجعبري داخل برج سكني بدعوى تخطيطه لعمليات ضد إسرائيل. وخلف العدوان الأخير على غزة عشرات الشهداء ومئات الجرحى أطفالاً ونساءً، وشيوخاً وشباباً. هُدمت المنازل على رءوس ساكنيها.. ضربت المساجد والمستشفيات والمدارس ومخازن الأغذية والوقود. لقد فاق هذا العدوان البربري كل وصف، وخلف دماراً شديداً.. مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ على تمام الساعة الحادية عشر والنصف ليلاً بتوقيت فلسطين يوم الأحد الموافق 7 آب/ أغسطس، نجح الشعب الفلسطيني بالخروج منتصراً من معركته الأخيرة بقيادة حركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، وفشل جيش الاحتلال الذي طالما وصف بأنه جيش لا يقهر من تحقيق أهدافه، رغم أنها أهداف متواضعة هذه المرة واقتصرت على توجيه ضربة لكتائب حركة الجهاد الإسلامي دون حماس، وثني إرادتها عن القتال، لكن تصدت حركة الجهاد لهذه المحاولة ببسالة، وظل قصفها مستمراً حتى اللحظات الأخيرة قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. ويجمع محللون على أن العملية العسكرية ضد قطاع غزة سادتها الضبابية خاصة مع خفض سقف الأهداف، لتجنب الفشل والانتقادات الداخلية خلال سير المعارك. نقدم فيما يلي قراءة تحليلية معمقة للعدوان الأخير على غزة وتداعياته:
1- اتّفاق الهدنة: أعلنت حركة الجهاد الإسلامي موافقتها على اتفاق هدنة مع دولة الاحتلال عبر وساطة السلطات المصرية. وقال رئيس الدائرة السياسية في حركة الجهاد الإسلامي محمد الهندي في بيان: “قبل قليل تم التوصل إلى صيغة الإعلان المصري لاتفاق التهدئة بما يتضمن“التزام مصر العمل على الإفراج عن الأسيرَين (باسم) السعدي و(خليل) عواودة”، وفق ما أكّدته حركة الجهاد الإسلامي. وتتضمن التفاهمات كذلك تخفيف إسرائيل للحصار، وسماحها بإدخال شاحنات وقود لمحطة الكهرباء. وعلى الرغم من التأييد الواسع في أوساط الإسرائيليين للحرب على غزة، فإن هناك تباينا بالمواقف بشأن تحقيق أهداف العملية التي أطلق الاحتلال عليها “بزوغ الفجر” حيث يوصف ما أنجر بـ “النجاح الجزئي” وليس “الانتصار” بسبب عدم الحسم على جبهة غزة، وكذلك بفعل المخاوف التي رافقت المستويين السياسي والعسكري طيلة العملية من سيناريو الانجرار إلى مواجهة شاملة طويلة الأمد في حال انضمام حماس إلى المعركة.
2- توظيب العدوان على غزة سياسياً: يعتقد بعض المحللين السياسيين الإسرائيليين أن العملية العسكرية أتاحت للبيد فرصة لتعزيز أوراق اعتماده الأمنية قبل انتخابات 1 تشرين الثاني/ نوفمبر القادم. ويسعى يائير لابيد الذي تولى منصب رئيس الوزراء في إسرائيل لحين إجراء الانتخابات في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم لتشكيل ائتلاف حكومي بعد قيادته الحرب على غزة مع وزير الدفاع بيني غنتس. وفي تقييمه لنتائج العدوان على غزة، نشر في موقع الجزيرة نت، يعتقد الكاتب والمحلل السياسي سليمان أبو ارشيد أن إسرائيل ومنذ فشلها في تحقيق الأهداف المعلنة من الحرب على لبنان عام 2006، وما رافقها من تداعيات على الخارطة السياسية والحزبية وصعود معسكر نتنياهو “تتعمد تحديد أهداف متواضعة كي لا تتكشف معالم هزيمتها وفشلها في حسم المعركة تحديدا على جبهة غزة”. وعلى الصعيد السياسي والهدف الانتخابي من العدوان على غزة، يقول أبو ارشيد “الاعتقاد السائد بالمجتمع الإسرائيلي هو أن لبيد وغانتس نفذا عملية نوعية ناجحة دون خسائر، لكن دون النجاح بالقضاء على المقاومة في غزة أو تقويضها، وعليه سيرافق هذا السجال أيضا الحملة الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية، علما بأن غالبية العمليات العسكرية ضد غزة كان لها أهداف انتخابية”. وقبل ساعات فقط من عدوان “بزوغ الفجر” الإسرائيلي على قطاع غزة، أظهرت نتيجة استطلاع رأي أن حزب “هناك مستقبل” الذي يتزعمه رئيس الحكومة الحالي يائير لابيد سيحصل على 21 مقعدًا في الانتخابات العامة المرتقبة بعد أقل من شهرين، متأخرًا بفارق 14 مقعدًا عن حزب “الليكود” بزعامة بنيامين نتنياهو. لكن بعد ساعات من انتهاء العدوان، أظهر استطلاع رأي حديث أن لابيد تقدم مقعدين عن النتيجة السابقة، وسيحصل على 23 مقعدًا في الانتخابات. وبخصوص تقييم أداء رئيس الحكومة يئير لبيد في إدارة العملية في غزة ، أجاب 64٪ من المستطلعين أن أدائه جيد جداً / جيد إلى حد ما بشكل عام، مقابل 17٪ أجابوا بأن أداؤه كان سيئاً جداً / سيئاً إلى حد ما. أما بالنسبة لأداء وزير جيش الاحتلال غانتس في إدارة العدوان، فقد أجاب 68٪ من المستطلعين أن أدائه جيد جداً / جيد إلى حد ما، بينما أجاب 14٪ أن أداؤه كان سيئاً جداً / سيئاً إلى حد ما.
3- اغتيال قادة فصائل المقاومة بهدف إضعافها: اغتالت إسرائيل خلال حملتها العسكرية الأخيرة، عددا من القياديين في “الجهاد الإسلامي” وذراعها المسلح “سرايا القدس”. فقد اغتال جيش الاحتلال الإسرائيلي، قائد الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي تيسير الجعبري، إثر غارتين على شقة في برج وسط مدينة غزة، وأخرى على مرصد للمقاومة شمال القطاع؛ أسفر عن سقوط 4 شهداء بينهم طفلة و19 مصابا آخرين. وتم القضاء إلى جانب تيسير الجعبري على كل من سلامة عباد ومحمد البيوك – وهم أعضاء بارزون آخرون في حركة الجهاد الإسلامي. كما استشهد القيادي البارز في سرايا القدس، خالد منصور في غارات جوية استهدفت منزلا مكونا من عدة طوابق في مخيم الشعوت للاجئين بمدينة رفح جنوب قطاع غزة. واستشهد برفقة القيادي خالد منصور، زياد المدلل القيادي في الذراع العسكري لها “سرايا القدس” ونجل عضو المكتب السياسي للحركة أحمد المدلل. وقال عوديد بسيوك، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، بعد اغتيال أبرز قادة سرايا القدس إن القيادة العليا لحركة الجهاد الإسلامي في غزة “تم تحييدها”. اغتيال القادة لن يوقف فصائل المقاومة ولن يثني إرادتها. إن حركات المقاومة وهي تقدم هذا الدم وهؤلاء الشهداء، تخطو خطوات كبيرة باتجاه إحراز النصر النهائي على المشروع الصهيوني. قال الناطق باسم حركة الجهاد الإسلامي طارق سلمي في تصريح خص به موقع الجزيرة نت- “إن الاحتلال واهم إذا ظن أن عمليات اغتيال القادة ستقضي على المقاومة، فالقائد لدينا يخلفه ألف قائد، والكل مستعد لحمل البندقية والتضحية ومواصلة الدرب على نهج الشهداء”. ويكفي أن نعرض أسماء بعض قادة فصائل المقاومة الذين اغتالهم جيش الاحتلال، حتى ندرك أن هذه العمليات الغادرة والجبانة لم ولن تؤثر على الفصائل، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الشهيد الشيخ أحمد ياسين الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، الذي مؤسس حركة الجهاد الإسلامي، والشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والشهيد الدكتور إبراهيم المقادمة العلم البارز في قيادة المقاومة الذي اغتالته دولة الاحتلال بخمسة صورايخ مزقت جسده الطاهر، والشهيد إسماعيل أبو شنب، ابن مخيم الشاطئ وعميد العمل النقابي في فلسطين، والشهيد الدكتور الداعية المحدث نزار ريان، والشهيد الشيخ سعيد صيام، والشهيد القائد صلاح شحادة (أبو مصطفى)، والشهيد القائد جمال أبو سمهدانة (أبو العطايا)، والشيخ نظير اللوقا (أبو خليل)، والشهيد القائد أحمد الجعبري (أبو محمد)، والشهيد القائد بهاء أبو العطا (أبو سليم). رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه، حملوا أرواحهم على أكفهم، وقاموا يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم. لم يقبلوا أن يعيشوا في قصور وقلاع – كعامَّة الحكام العرب – بينما الشعب يعاني الألم والحصار. قال عنهم الدكتور راغب السرجاني حفظه الله عنهم: عاشوا تحت قصف النيران، وحصار الأعداء والأصدقاء، ولو أرادوا لتركوا البلاد والعباد، ولعاشوا لأنفسهم، ولكثرت في أيديهم الأموال، ولكنها الجنة تملأ عليهم فكرهم وحياتهم . وليعلم أولئك الجبناء أن اغتيال القادة لم ولن يفت في عضد المقاومة، بل يزيدها قوة وعزيمة على مواصلة طريق أولئك الأبطال من أجل تحقيق الأهداف والآمال ‏التي كان يؤمنوا بها ويعملوا لها دائماً. قائد يخلف قائد، والكل مستعد لحمل البندقية والتضحية ومواصلة الدرب على نهج الشهداء”.
4- موقف حركة حماس من العدوان:
أبقت “حماس” صواريخها في المخابئ، ولم تطلق أيا منها باتجاه إسرائيل، على الرغم من إعلانها أن “المقاومة الفلسطينية موحدة في الرد على العدوان الإسرائيلي” بحسب الناطق باسمها عبد اللطيف القنوع. بينما شدد رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، رونين بار عما وصفه بالنجاح في الفصل بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي معتبرا أنها غاية إستراتيجية تحققت، فيما شدد قادة أجهزة الأمن الإسرائيلية خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت) قبل يومين على أنه يجب الحفاظ على هذا الفصل. أعتقد أن ما حدث كان اختلاف في وجهات النظر، واختلاف في تقدير الموقف بين قيادات حركة حماس وقيادات حركة الجهاد الإسلامي. يقول الدكتور خليل الشقاقي بهذا الصدد: لم تعتبر حركة حماس أن اعتقال السعدي في جنين خطر يتطلب رد عسكري من غزة لكن حماس اعتبرت أن اغتيال القائد الجهادي تيسير الجعبري خطر يحتاج إلى رد ولو محدود، لذلك سمحت للجهاد الإسلامي الرد في حين بقيت خارج العمليات. لقد كان قرار حماس حكيماً ولكنه مكلف شعبياً. ويرى العمور أن “أسباب عدم تدخل “حماس” في الحرب يتعلق بالحركة فكرا وممارسة، ففي الفكر تتبنى “حماس” إستراتيجية الإعداد والبناء للتحضير لمعركة نهائية وهو ما تسميه حماس بالمراكمة، بل أن أحد أسباب نشأة حركة “الجهاد الإسلامي” مطلع الثمانينيات أنها أخذت على “حماس” – ولم تكن حينها حماس بهذا المسمى كانت جناح الإخوان – أنها أجّلت الاشتباك مع الاحتلال، وبالتالي بخلاف “الجهاد الإسلامي” فإن “حماس” تولي البناء التنظيمي والإعداد أولوية على الاشتباك”. وبناءً على ما تقدم، فإن حركة حماس كانت ولا تزال وستبقى متمسكة بوحدة الصف، بوصفها السبيل الوحيد لمعركة الصمود، والوقوف في خندق واحد مع كل قوى المقاومة وأن كل محاولات الدس والتشكيك وتثبيط العزائم لم ولن تؤثر في حركة معروفة بتاريخها النضالي وتمسكها بقضيتها. وفي السياق ذاته، اعتبر المحلل السياسي المقيم في قطاع غزة، مصطفى الصواف، أن “هناك تعاونا وتنسيقا على درجة عالية بين حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، لكن لم يعلن عن كيفيته خلال أيام المعركة الأخيرة مع إسرائيل”. بدوره اعتبر الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، مصباح أبو كرش، أن “زياد النخالة الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي قدم درسا في الخطاب المسؤول وطنيا عندما تحدث حول محاولة ضرب العلاقة الإستراتيجية بين حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، إذ قام بتقدير الموقف بشكل منطقي ساهم في إسكات الكثير من الألسن المتربصة بهذه العلاقة، وغيرها من بعض السذج المحسوبين على الحركتين”. وكان النخالة أشار في معرض حديثه إلى موقف حركة “حماس”، مؤكدا على “وحدة قوة المقاومة في مواجهة العدو الصهيوني”، وقال: “إننا والإخوة في “حماس” في تحالف مستمر وأيضا مع كافة قوى المقاومة، العدو لن يستطيع أن يفرق بين قوى المقاومة الفلسطينية”. هذه إذن مكيدة إسرائيلية جديدة، فحركة حماس التي انتصرت لأهالي حي الشيخ الجراح وهبت لنصرة الأقصى في معركة سيف القدس بالتأكيد لن تخذل شعبها ولا فصائل المقاومة الأخرى. كما ذكرنا أنه كان هناك اختلاف في وجهات النظر، واختلاف في تقدير الموقف، ولقيادة حماس حساباتها التي تحسن تقديرها والتعامل معها. وفي نهاية المطاف هو اجتهاد قد تكون مصيبة في تقديرها للموقف وقد تكون مخطئة ونسأل الله لها الإخلاص والثبات. وكذلك ينبغي علينا جميعا ألا نشكك في حماس وقيادتها، ونثمن عالياً جهودها التي بذلتها في سبيل القضية الفلسطينية وتاريخها الجهادي والنضالي المشرف. إن العدوان الأخير الغاشم على غزة ليس آخر المعارك العسكرية التي تخوضها إسرائيل ضد شعبنا الفلسطيني ومقاومته الباسلة، لازالت المعركة مع العدو مستمرة، ولازال في جعبة فصائل المقاومة الكثير، لمواجهة العدوان الإسرائيلي المتكرر حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.
*كاتب صحفي ليبي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …