الأربعاء , سبتمبر 28 2022
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / زمن الاسياد والعبيد

زمن الاسياد والعبيد

اسيا العتروس*
نقتبس من الكاتبة الامريكية هريت ستو Harriet Beecher Stowe عنوان كتابها “اسياد وعبيد كوخ العم توم ” وهو احد روائع الادب العالمي الذي رصدت فيه صاحبته معاناة السود قبل تحرير الرق في امريكا عندما كانوا يتعرضون لابشع وافظع الانتهاكات في اجسادهم المرهقة بخدمة الاسياد ليلا نهارا و المثقلة بانسانيتهم و كرامتهم الجريحة بأحكام من يملكون رقابهم عندما كان افراد العائلة الواحدة بما في ذلك الاطفال يفصلون عن أمهاتهم ليباعوا في الاسواق.. وهو العنوان الذي كان لصاحبته دور مؤثر على الكثير من العقليات التي ستقبل بمراجعة عنصريتها و تدفع الى الغاء الرق و استعباد البشر …و ربما لم تكن هريت ستو تدرك انذاك انه بعد نحو قرن و نصف على الغاء العبودية بعد حرب اهلية استمرت اربع سنوات بين الشمال و الجنوب ان العالم سيغرق في عبودية جديدة او عبودية العصر و يقع مجددا في فخ التناقض الصارخ بين قلة من الاسياد تسود و اغلبية من العبيد تعيش كما لو كانت في زمن الرق مع اختلاف مهم و عميق في المفاهيم لان عبودية العصر لا تفرق بين الالوان او العقيدة او اللغة او الانتماء .. انه عالم يتجه بثبات مع نهاية كل يوم الى تعميق الهوة بين قلة تستأثر و تملك كل شيء و اغلبية تفقد يوما بعد يوم القليل الذي كان يوفر لها الى وقت قريب أسباب كرامتها . وهذا ليس من المبالغة في شيء و الارجح ان الهوة ستتعمق اكثر و اكثر في ظل التحولات المتسارعة في عالم تقوده الانانية المفرطة التي يمكن ان تدوس على كل شيء في اطار لعبة المصالح و ما تستوجبه من قفز على قاموس البروتوكولات المتداولة في المنابر الرسمية حول القيم الانسانية المشتركة و العابرة لكل الحدود … نقول هذا الكلام و نحن على مشارف الدورة السنوية الجديدة لاشغال الامم المتحدة حيث سيتوافد قادة العالم على المنبر الاممي للتنافس في القاء الخطابات السياسية و الدعوات للتضامن بين الامم و الشعوب لينتهي كل شيء بمجرد انتهاء الدورة و يستمر الانتظار في حين الدورة القادمة على وقع بروز وجوه سياسية جديدة و غياب اخرى بسبب الموت او الانقلابات او الانتخابات ..
والاكيد ان في تقرير الامم المتحدة حول عبودية العصر ما يعزز القناعة بأن النظام العالمي الجديد الذي نكتشف ملامحه يوما بعد يوم لن يكون بالضرورة افضل مما نحن فيه في ظل التنافس الشرس للسيطرة على مصادر الطاقة والتحكم فيها بكل ما يفترضه ذلك من رغبة في السيطرة على مصانع السلاح و ضمان التفوق العسكري الذي يقود بالتاكيد الى التفوق الغذائي و المائي والعلمي و المعرفي ..
التقرير الذي نحن بصدده و الذي لا تعتقد ان الدول الاعضاء في المنتظم الاممي يمكن ان تكلف نفسها عناء الاطلاع عليه شكل صرخة فزع عكست انهيار انسانية الانسان والمجتمعات , و هو يتعلق
بتقديرات حديثة لمنظمة العمل الدولية تشير الى أن أن خمسين مليون شخص يعاون من عبودية العصر و هو ما يعني ان واحد من بين كل 150 شخصا على قيد الحياة – عالقون في العمل القسري أو الزواج القسري الذي من شأنه ان يجعل هؤلاء في مرتبة العبيد سواء تعلق الامر بمن يعملون وهذا يشمل الاطفال الذين يفترض ان يكونوا في المدرسة والنساء الاتي يعملن في ظروف لا تختلف في شيء عن عمل العبيد من حيث المعاناة و زهد الاجر… و لعله من المهم التوضيح أن منظمة العمل الدولية تصنف العمل القسري والزواج القسري في خانة العبودية الحديثة لان الشخص في الحالتين، لا يستطيع المغادرة “بسبب التهديدات أو العنف أو الخداع أو استغلال السلطة أو أي من أشكال الإكراه الأخرى”…و هذا في الحقيقة ما يتعين الانتباه له على اعتبار أن الحلول البديلة لعبودية العصر تبدأ بتوعية العقول حتى يدرك كل طرف حقوقه و هذه مسألة لا يمكن تحقيقها بدون ضمان توفر التعليم لكل الفئات الاجتماعية حتى لا ينقطع طفل او طفلة عن المدرسة قبل امتلاك السلاح الذي يحتاجه لمقارعة و رفض كل اسباب العبودية …
..ويشير التقرير ان الرقم يسجّل ارتفاعا بنحو عشرة ملايين شخص خلال السنوات الخمس الماضية، ما يعني إضافة مليوني ضحية كل عام…و كأن قدر هذه الفئة النساء و الاطفال ان يدفعوا ثمن كل ما يحدث في العالم من حروب وصراعات و ازمات وغياب للعدالة الاجتماعية و قوانين جائرة..
ولعله من المهم التوضيح أن منظمة العمل الدولية تصنف العمل القسري والزواج القسري في خانة العبودية الحديثة لان الشخص في الحالتين، لا يستطيع المغادرة “بسبب التهديدات أو العنف أو الخداع أو استغلال السلطة أو أي من أشكال الإكراه الأخرى”…
الارقام مرعبة و تعزز القناعة ان العالم يتجه فعلا الى تكريس العنصرية البغيضة بين الاسياد و العبيد حيث يؤكد التقرير و ان ما يقارب 27.6 مليون شخص ضحية للعمل القسري، من بينهم 3.3 مليون طفل يتعرضون لتجارة البشر وللاستغلال الجنسي التجاري…و في المقابل فان عدد ضحايا الزواج القسري يناهز22 مليون شخص، و اغلب الضحايا دون 15 عاماً عند الزواج…صحيح ان الجائحة كما الحروب و الصراعات فاقمت ظاهرة عبودية العصر و لكن الاكيد ايضا ان يد الانسان و تحديدا صناع القرار السياسي و المتحكمين في المحرك الاقتصادي العالمي يتحملون النصيب الاوفر في فرض عالم الاسياد و العبيد في شكله الراهن ..
*كاتبة تونسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

▪ثورات العرب وأحزابهم «تعقيب على ما سبق» !

  “أنظمة الحكم الثورية العربية لم تتبنَّ مشروع بناء الدولة وثقافة الاعتراف بالآخر” بقلم/ فيصل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.