الخميس , يوليو 25 2024
الرئيسية / أخبار / تحليل..المصالحة السعودية – الإيرانية: أرضية لإزدهار سياسي واقتصادي عميق وطويل المدى!

تحليل..المصالحة السعودية – الإيرانية: أرضية لإزدهار سياسي واقتصادي عميق وطويل المدى!

د. محمد علي صنوبري*
أكثر ما ميّز القوى الاستعمارية في منطقة الشرق الأوسط هو التشابه في اختيار الاستراتيجيات طويلة الأمد للسيطرة على دولنا. هم وبشكلٍ مثيرٍ للدهشة مشتركون في اتباع سياسة “فَرّق تَسُدْ”.
تشير التطبيقات التاريخية لهذه الاستراتيجية، بأنّ لها عمقاً تاريخياً يعود إلى مئات السنين وغالبًا ما يُنظر إليها على أنها نهج عملي للحفاظ على السيطرة على مجموعات سكانية متنوعة من خلال استغلال الانقسامات القائمة أو خلق انقسامات جديدة لمنع الوحدة ضد السلطة المركزية. وإن كانت الاستخدامات الأولى لهذه الاستراتيجية انحصرت ضمن إطار الدولة الواحدة، إلا أن السلطات الاستعمارية وخصوصاً الفرنسية والإنكليزية والأمريكية عممت هذه الاستراتيجيات واستثمرتها في تقسيم الدول والسيطرة على ثرواتها.
أبرز الأمثلة على هذه الاستراتيجية يمكن ملاحظته في العلاقات السعودية-الإيرانية وكيف ساهمت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في تحويل هذه العلاقات إلى تنافس وقطيعة عبر التاريخ، مستغلة الانقسامات السياسية والتنافس الجيوسياسي والانقسام العرقي والديني.
لم تمضي سوى بضعة أسهر على توقيع اتفاق المصالحة بين إيران والسعودية برعاية صينية، إلا وقد تم تبادل السفراء بين البلدين. ويبدو بأن السبب الأبرز في نجاح هذه المصالحة هو إدارك الطرفين لأهمية التعاون الاستراتيجي في منطقة تسودها الخلافات والمناوشات العسكرية من جهة، وإدراك القيادة السعودية الشابة في السعودية متمثلة بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بأنّ معادلة النفط مقابل الحماية، والتي تم التوافق عليها مع الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، انتهت صلاحيتها ولا بد للسعودية من تحويل معادلة الصراع والتافس مع القوى الإقليمية الفاعلة إلى معادلة تعاون لتحقيق الازدهار الاقتصادي للملكة وللدول المجاورة.
وكما يقول المثل العربي الشهير “انقلب السحر على الساحر”، فقد حولتّ القوتان الإقليميتان (السعودية وإيران) أسباب الخلاف السابقة إلى مجالات محتملة للتعاون. فالولايات المتحدة عملت منذ الحرب العالمية الثانية على تعطيل مسار التنمية لصالح التنافس الإقليمي والعسكري. وعليه فقد نهبت ثروات المنطقة من خلال خلق سباق التسلح، وتصوير إيران على أنها العدو الأول للدول العربية. وقد هدفت من ذلك أولاً لصرف النظر عن العدو الحقيقي الذي يحتل الأرض الفلسطينية منذ أكثر من 75 عاماً وثانياً لجعل الدول العربية المستورد الأول للأسلحة الأمريكية.
وفي الوقت الذي تطالب فيه السعودية الولايات المتحدة تقديم المساعدة في بناء برنامج نووي سلمي مخصص لأغراض سلمية ترفض الولايات المتحدة هذا الطلب وتؤكد على التفوق الإسرائيلي في هذا المجال. ومن هنا جاء نجاح اتفاق المصالحة بوصفه منصة أولية يمكن البناء عليها لتحقيق التنمية الاقتصادية وإدارة النزاع وتقليل الانفاق العسكري لصالح روئ اقتصادية مهمة تصب في صالح المنطقة ككل. وعليه فقد لاحظنا العرض الإيراني بتقديم المساعدة للسعودية ووضع الخبرات الإيرانية في المجال النووي السلمي تحت تصرف السلطات السعودية.
لقد انعكست الرغبة السعودية الإيرانية في تعزيز العلاقات والتعاون لتنسيق الخلافات الجيوسياسية على أغلب الملفات الإقليمية الشائكة. فها هم الحوثيون يجلسون على طاولة واحدة مع مسؤولي المملكة العربية السعودية ويتم الحديث اليوم عن احتمالية نهائية لتوقيع اتفاق ينهي الصراع في اليمن الذي استمرّ لأكثر من 7 سنوات. وكذلك الأمر تظهر أهمية هذه المصالحة في الملف اللبناني والملف السوري وضرورة التنسيق بين هاتين الدولتين لإنقاذ الشعب السوري والشعب اللبناني.
وأما عن الأهمية الاقتصادية لهذا الاتفاق فهي واضحة للغاية، ونشير إلى هذه الأهمية من خلال اختيار السعودية لعبدالله بن سعود العنزي سفيراً لها في طهران. هذا الاختيار يشير إلى أن لدى البلدين الحوافز اللازمة لتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، وهذا هو أهم محور للتفاعل في الوضع الحالي. إن إرسال شخصية اقتصادية إلى إيران يظهر التزام السعوديين بالتعاون واستغلال القدرات الاقتصادية والتجارية لدى الجانبين، وهو ما يتماشى تماما مع أهداف الأمير بن سلمان الاقتصادية لمستقبل السعودية.
كما سينعكس التعاون الاقتصادي بين البلدين على استقرار أسعار الطاقة وتحقيق العائدات اللازمة لتوظيفها في خدمة التنمية الاقتصادية في البلدين والمنطقة ككل. فمع ظهور عالم متعدد الأقطاب وظهور أهمية التنسيق بين منتجي الطاقة والنفط، فقد ولى عهد الهيمنة الاستعمارية التي حاولت عبر سنوات عديدة فرض سياسات اقتصادية خاصة في أسواق النفط والطاقة لتحقيق مصالحها الخاصة في خفض معدلات التضخم وتحقيق إزدهار اقتصادي على حساب الدول العربية وإيران. إن التنسيق في مجال الطاقة بين إيران والسعودية بوصفهما الدولتين الأكثر امتلاكاً للثروات الطبيعية سوف يعيد الثروات إلى أهلها ويجعلهم هم وحدهم القادرين على تحديد المعروض من هذه الثروات والسعر المناسب لها.
وفي إطار سعي البلدين لأن تكونا مقصد للسياحة الدينية والترفيهية فيبدو بأن اتفاق المصالحة سينعكس إيجابياً على هذا القطاع كذلك وذلك لإن المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لديهما من الأماكن المقدسة والأماكن السياحية ما يجعلهما مقصد مهم للسياحة سواء بالنسبة لشعب البلدين أو بالنسبة للشعوب الأخرى.
أخيراً لا بد من أن نذكّر بأنه من السذاجة بمكان أن نعتقد بأن المتضررين من هذا الاتفاق سوف يقفون مكتوفي الأيدي. وكيف يمكن لنا أن نتوقع من إسرائيل أن تقف مكتوفة الأيدي تجاه هذه المصالحة وهي الأكثر تضرراً منها. إسرائيل التي انهارت أحلامها بتشكيل جدار دفاعي (عربي-إسرائيلي) ضد إيران، وهي التي بنت سياساتها الخارجية على إطار تشكيل جبهة موحدة ضد إيران وذلك لاشغال المنطقة عن الخطر الحقيقي الذي هدد ويهدد القضية الفلسطينية. كيف لها أن تصمت وهذه المصالحة تعتبر التهديد الحقيقي الأكبر لعمليات التطبيع التي سعت لها خلال سنوات وسنوات.
إذاً، لقد جاءت الخطوة السعودية-الإيرانية بتعزيز العلاقات وتأطيرها ضمن إطار تعاون سياسي واقتصادي وثقافي كخطوة متقدمة لتطبيق سياسات عقلانية تحوّل مصادر الخلاف التي لعب الاستعمار عليها لسنوات إلى مصادر لتعزيز التعاون وحل الخلافات ونقل مساحة الصراع الجيوسياسي والهيمنة الدينية والسياسية إلى أرضيات لتحقيق التنمية الاقتصادية والازدهار السياسي الذي سيصب ليس في مصلحة البلدين وحسب بل في مصلحة دول وشعوب المنطقة أجمع.
رئيس تحرير مؤسسة “الرؤية الجديدة” للدراسات الاستراتيجية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

تحليل..دلالات وأبعاد الهجوم اليمني على تل أبيب!

د.نجيب علي مناع* شكّل الهجوم اليمني على مدينة تل أبيب “يافا الفلسطينية” المحتلة – باستخدام …