السبت , يوليو 20 2024
الرئيسية / اراء / من محيط القهر إلى خليج الذُل!

من محيط القهر إلى خليج الذُل!

المهندس. سليم البطاينه*
إن سؤال: ماذا يحدث في الوطن العربي هو سؤال منطقي، والاجابة عليه لا تحتاج إلى جهد وعناء في البحث، يكفي أن تتابع نشرات الأخبار ووسائل التواصل لترى الألم والظلم والقهر والذل مما حل بالعرب من دمار وابادة وخراب من محيط القهر حتى خليج الذل!
مع بداية مجزرة غزة أرسل لي شقيقي الذي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية رابطاً لمقالٍ للكاتب الأمريكي Thomas Friedman نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) عنوانه (الشرق أُوسطيون المجانين الفقراء) تحدث به عن إعجابه بفيلم Crazy Rich Asians (الآسيويين المجانين الأغنياء)، وقال لقد أصبحت آسيا غنية جداً لأنها ليس لديها اختلافات سياسية وعرقية مثل باقي المناطق! بل لأنها طورت التعليم واهتمت به من اساسه، وسمحت للمستقبل بدفن الماضي، وركزت بشكل كبير على بناء الأساسات الحقيقية للثروة المستدامة، و حاربت أعشاش الفساد.
لا ادري من اين يبدأ الحديث؟ ولا متى يكتمل ؟ ورغم حساسيتي تجاه المصطلحات! لكن بالله عليكم قولوا لي أي مصطلح يصلحُ لوصف حالنا كعرب اليوم؟ هل هو يا ترى لعنة التاريخ والجغرافيا وملحقاتهما؟ فحتى اللحظة لا زلنا كعرب غير مدركين لحجم المأساة التي نعيشها! فلو تم تصنيف الأمم وفق المعايير التي يتم على أساسها تصنيف الدول لاستحق العرب في هذه الأيام أن يصنفوا أنهم أمة فاشلة وهشة.
ضاع منا كل شي، ولا جدوى من الشماتة! ولم يعد هناك موضعٌ في جسد الأمة العربية لا يحتاج الى تشريح أو استئصال! فالعلل التي يعتلُّ بها الجسد العربي تُدمي القلوب، و نحن لا زلنا ندس روؤسنا يومياً في الهزائم والمحن! ومرّ علينا القرن العشرين دون أن نحقق شيئا كباقي الامم والشعوب، ومشكلة العرب الاولى أنهم يمرون على التاريخ دون ان يسكنوا فيه، وباتوا غير قادرين على الاستيطان في التاريخ والجغرافيا! بل العكس فقد أحدثوا قطيعة معرفية وفكرية مع الماضي البعيد والماضي المستتر نتيجة تجزؤ عقلهم الجمعي.
العالم يعيش حالياً تحولات عميقة ستقلب الموازين الدولية، وستنسف كيانات! و تتسبب في إختفاء كيانات أخرى! ولن أكون متشائماً إن قلت أن هناك بلدان عربية تحاول أن تبقى على الخريطة خوفاً من أن تصبح قطع متناثرة بمسميات جديدة على خارطة الشرق الاوسط! وهو حتماً ما سيغير قواعد اللعبة السياسية في المنطقة و الاقليم، و لعل الوطن العربي المجزئ والضعيف هو الاكثر تأثرا بنتائج ما يجري وحتى الآن لا يعرف العرب أن مخططات تغيير الخرائط من حولهم مستمرة دون توقف! فهناك الكثير من الأحداث تظهر في زمان ومكان معينين وليس بالضرورة تستهدف ذلك الزمان والمكان.
وهذا ما أكده وصرح به بوقت مبكر رئيس وكالة المخابرات الامريكية السابق Michael Hayden لصحيفة Le Figaro الفرنسية قبل خمسة سنوات: بأن هناك دول عربية أنشأتها قوىً أوروبية ستختفي عن خريطة الشرق الأوسط للقناعة بأنها لم تحقق الوظائف التي من أجلها أنشئت.
لم يستيقظ العرب بعد من غفوتهم ولا زالوا لا يدركون مخاطر المشاريع الاخرى من حولهم، والتطورات السريعة والمتلاحقة التي تجتاح المنطقة والاقليم لم تترك لنا الوقت الكافي لتأمل ما يجري في الخفاء من محاولات تغيير الخرائط واللعب بالديموغرافيا! فـ كافّة القوى الدولية والاقليمية لديهم مشاريعهم الخاصة في المنطقة! إلا المشروع العربي المبني على المجهول والمرتهن لإرادات وقرارات الخارج.
لنواجه الحقيقة: لقد حقق الفرس و الأتراك وامم اخرى مشروعهم و بقي العرب ينتقلون من محطة فشل الى اخرى و ضاع الاستقرار العربي عند بدء تداول مصطلح (الشرق الأوسط) في منتصف ستينات القرن الماضي، وانقلبت حركات التحرر الوطني على نفسها! وتم فرض هوية جديدة وواقع جغرافي جديد، تلاشت فيها المرجعية العربية لصالح وعاء فضفاض تحولت به الدول العربية إلى دول رخوة وهشة! وتم على أثرها إنتاج وولادة نهج سياسي جديد أمعن في الفساد والزبائنية! إزداد فيها فقر الفقراء وغنى الاغنياء، وبعد ذلك بسنوات تم الصُلح مع إسرائيل! ووقع الغزو العراقي على الكويت! وكانت هي المرة الأولى في التاريخ العربي الحديث أن يقوم قطرٌ عربيٌ بغزو قطرٍ عربي آخر.
نعرف حقاً أن التاريخ لا يصفح أبداً، فهو يكتب أحداثاً ويذكُر فاعلين! لكن الصمت لا يكتبه التاريخ ولا يصوره الزمن ولا تعرفه الكتب!! ولعنة التاريخ تتخطى عقبة الزمن و لا تفارق صاحبها حتى في قبره! وكم منح التاريخ قبل شهرين فرصته التي لا تتكرر للبعض! فأصر هذا البعض على إهدارها وتحطيم كل مرتكزاتها، و أصر على البقاء خارج التاريخ وخارج حدود الدراما.
كأن سرد القصص القديمة يُحاكي زمننا هذا، من حيث التشابه بين الأحداث والاسئلة رغم اختلاف الزمان والمكان! فما جرى في الأندلس قبل قرون كانت حرباً طمست كل المعالم المخالفة لها من: (مذابح جماعية وقتل وتدمير وتهجير)! ومع مرور الوقت طُمست معالم حضارة وطويت صفحة شعب بأكمله، ولم يبق في الاندلس الا العمارة شاهداً على وجودنا هناك.
أعرف أن الكلام ضائع والمدركون قليل! وسنحتاج الى كثير من الوقت وكثير من الفكر وان نعود لكثير من المصطلحات التي لم نكن نعرف حقيقتها ونعيد مراجعتها! لكن تذكروا يا قُراء التاريخ أن يوماً سيأتي سيقوم به أحفادنا بحرق كل سِجلاتِنا! وربما يأتي زمان على احفادنا يزورون فيه المسجد الاقصى وكنيسة القيامة أو الكعبة المشرفة يقبلون أعمدتها ويبكون على البلاد التي تأمروا عليها، وينوحون على تاريخ وحضارة كانت في يوم من الايام ملك أجدادهم.
كُلنا في الانهيار عرب! ولا عزاء للعرب، سقط العرب من اللغة السياسية الراهنة و تطور العالم الى الافضل و الى الامام و تنكص العرب الى الاسوأ و الى الوراء، وإن عبارة الوطن العربي ينهار عبارة لا تقف عند حد معين ولا تستوعبها مصطلحات، وأي بناء للتاريخ من غير فهم الجغرافيا هو هَبل وسذاجة! فـ كلما اقترن الزمان بالمكان يحدد التاريخ معالم الجغرافيا، لكن على ما يبدو أن اتجاهات الريح ذاهبة الى مرساها الأخير في رحلتها!! والذين لا يلتقطون اشارة الاحداث سوف تطيحهم الأحداث، وحينها يدرك الجميع عاجلا ام اجلاً وبعد حين: (أنهم أُكلوا يوم أُكل الثور الأبيض).
*كاتب اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

ثلاث ضربات موجعة للاحتلال!

د. سعد ناجي جواد* يوم أمس (الجمعة المبارك 19 تموز/ يوليو) تلقى كيان الاحتلال ثلاث …