الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / حرب التهجير والتجذير!

حرب التهجير والتجذير!

حماد صبح*
بعد توقف الحرب على قطاع غزة رسميا في الثالث عشر من أكتوبر الماضي، وحتى قبل توقفها، وإن بصورة أضيق ، تدفقت مظاهر عودة الحياة شبه طبيعية في مناطق عديدة من القطاع ، وخاصة في المنطقة الوسطى منه . طلاب وطالبات من كل المراحل التعليمية يؤمون أماكن للتعليم أعدت في عجل، وتنفصها وسائل التعليم المعهودة من المقاعد وحتى الكتب . بعض هذه الأماكن مدارس اختفت كل مرافقها، وبعضها مخازن بضائع ، وبعضها عدة خيام .
وعزمت وزارة التربية والتعليم العالي في رام الله عزما صادقا مثابرا على تنفيذ اختبار الثانوية العامة لطلاب 2023 _ 2024 ، 2024 _ 2025. إليكترونيا. وأسمع الآن، وقت كتابة المقال في العاشرة من صباح الخميس ، الثالث عشر من الشهر الماثل ، أصوات الرصاص بين لحظة وأخرى ابتهاجا بالنجاح في اختبار ثانوية 2024 _ 2025. إنها إرادة الحياة العميقة في روح هذا الشعب الذي نكبه عدوه المتوحش بحرب امتدت أزيد من عامين ، وما زالت فواعلها تتلاحق في صورة أو أخرى.

ولو نكبت دولة كبرى بهذه الحرب الشاملة في همجيتها وعنفها الساحق وسوء مقاصدها لانهارت في شهر، لكنه عدل الله _ تعالى _ الذي توعد الظالمين المجرمين بالخسران المبين المبير، ووعد المؤمنين الصالحين بالنصر المبين في كل مصائبهم ومحنهم . وفي مساراتي العديدة أرى تلميذات صغيرات ذاهبات إلى مكان تعليم أو عائدات منه، وتسرك وتدهشك نظافتهن وتأنقهن الدالان على فرط عناية أمهاتهن بهن، وهن النازحات الشاردات من مواطنهن الأصلية، والساكنات الآن خياما أو أكواخا من هلاهيل قماشية وبلاستيكية ينعدم فيها سائر أساسيات الحياة البدائية.
هي الروح الفلسطينية الصخرية الصلبة، الروح التي تستقي دفق حياتها وحرارتها من عمق إيمانها برحمة الله وعدله، وإيمانها بغضبه _ جل قدره _ على عدوها ، ودنو أخذه لهذا العدو أخذ عزيز عادل مقتدر بعد أن اقترف في هذه الحرب كل موجبات هذا الأخذ، وهذه الموجبات تضاف تراكما إلى رصيده من الآثام والمعاصي الذي تحدث عنه القرآن العظيم في كثير من سوره المبينة.
كل الناس هنا على تباين ثقافتهم ومعارفهم مقتنعون أن الكيان الفاسق المتوحش يعدو دون أن يعي إلى قبره. وتبديات أخرى لعودة تيارات الحياة إلى تدفقها في قطاع غزة في غابة من المصاعب والمعيقات، تلك هي أفراح الزواج العلنية في ما سلم من صالات الزفاف مصحوبة بالزغاريد والأغاني، ووفرة المعازيم من الأقارب والجيران والأصدقاء. قبل توقف الحرب الدموية العاصفة كانت الزيجات تتم في هدوء، وتكتفي بأقل الأقارب، وأحيانا بدون أقارب فرقتهم الحرب . وغالبا الأزواج صغار خاصة العرائس.

وفي الحرب وبعدها بات مألوفا أن نرى شابة في السادسة عشرة أو السابعة عشرة وما قربهما تحمل رضيعا، أو تدفع به عربة طفل. وفي شأن إخفاق هستيريا جنون التهجير إخفاقا قاصما ؛ في الأنباء أن 30 ألف مواطن من القطاع سجلوا أسماءهم في القاهرة للعودة إليه وقت فتح معبر رفح. ومن مغريات السرور والاطمئنان في دلالات هذا النبأ أن من بين المسجلين للعودة مواطنات مصريات متزوجات في القطاع .
يؤثرن العودة إلى أزواجهن وأبنائهن فيه وهن العائشات في أمان في وطنهن الأم . ولا نتحدث عن المحلات المتنوعة والحرف الوظيفية الصغيرة التي افتتحها مواطنو القطاع النازحون والمقيمون ، ولا عن المزارع التي سرت فيها روح الحياة خضرة مبهجة وأملا واعدا واثقا . وقبل أيام عشرة افتتح مطعم فخم بهي في خانيونس ، فسأل بعض مستوطني الكيان خاسئين مصعوقين : ” كيف يحدث هذا ؟! ” . الجواب في الفاصل الصلب العالي بين انتمائنا لهذه الأرض الأم ، وفي التصاقهم المزيف بها . وفي الأنباء أن دول الاتحاد الأوروبي شددت إجراءات حصولهم على جنسياتها ، وبداهة أن التشديد بطلب من إسرائيل حتى لا يهاجروا منها . وأبدا يجيء الحق ، وأبدا يزهق الباطل . سنة الله التي لا تبديل ولا تحويل لها . يقول بول إيلوار أبرز شعراء المقاومة الفرنسية ضد الألمان في الحرب العالمية الثانية: ” نحن نستحق الحياة ” ،ونحن كذلك يا بول ، واستحقاقنا لها معزز بإرادة ربانية عادلة . نحن أمة القرآن العظيم ، ولا عنصرية في قولنا هذا .
ألسنا خير أمة أخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله مثلما يشهد لنا النص القرآني الكريم ؟! وننبه إلى أن النص الإلهي الكريم هنا يخبر عن خيريتنا لغيرنا ” للناس ” ، وبديهي أنها لنا أيضا ، ولن يضيرنا تقصير بعض المسلمين في العمل بمقتضيات استحقاقنا لهذه الخيرية .
*كاتب فلسطيني/غزة

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …