الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / الجزائر والصمود امام الضغوط الناعمة!

الجزائر والصمود امام الضغوط الناعمة!

أمال العروسي*

لم يكن الإفراج عن بوعلام صنصال مجرد لحظة إنسانية كما حاول البعض تسويقها ، بل كان اختبارا سياسيا دقيقا لقدرة الدولة الجزائرية على الحفاظ على صلابة قرارها السيادي وسط عواصف الخطاب العاطفي الموجه. فمنذ اللحظة الأولى لم يُنظر إلى صنصال ككاتب فحسب بل كرمز وظيفي مُسيّس في لعبة تُقاس فيها قدرة الجزائر على الصمود أمام الضغوط الناعمة، حيث يتحول الحدث الثقافي إلى منصة تُختبر فيها حدود الدولة بين المرونة و الانفعال و بين مبدأ السيادة و مزاج الرأي العام.
العاطفة ، التي لطالما استُعملت سلاحا لتليين المواقف السياسية وجدت في هذه القضية أرضا خصبة فقد جرى تحويل النقاش من سؤال سيادي إلى سؤال عاطفي حقوقي ، و من موقف قانوني إلى موجة تضامن إنساني متعاطف… و بذلك غابت القضية الجوهرية : “من يملك حق تحدي الثوابت الوطنية تحت غطاء حرية التعبير او الابداع ؟؟ و من يقرر حدود حرية التعبير داخل دولة تُحاصرها سرديات خارجية تعيد تشكيل النقاش العام وفق مصالحها ؟”.
في فرنسا لم يكن الحدث عابرا فاعتقال صنصال أثار جلبة واسعة داخل الأوساط السياسية و الثقافية، حيث تعاملت باريس معه كإهانة مباشرة لم تُخف نخبها شعورا بأن الجزائر “تجرأت” على رمز محسوب على المشهد الثقافي الفرنسي ، و الذي هو في الحقيقة منتسب جديد مقيد بإملاء و عصا (و للعلم، كان قد مُنِح الجنسية الفرنسية عدّة شهور فقط قبل اعتقاله في مطار هواري بومدين بالعاصمة الجزائرية في نوفمبر الماضي).
و مما زاد الحساسية ، تجاهل الجزائر لكل النداءات الفرنسية و الضغوطات و التهديدات و عمليات التصعيد و استجابت لطلب الرئيس الألماني ، لا لطلبات باريس و لا لرئيسها ، و هو ما اعتُبر في فرنسا إهانة مضاعفة : إهانة لوزنها الرمزي في الجزائر حسب مخيالها البالي ، و إهانة لافتراض ما تزال بعض الدوائر الفرنسية تعتبره “حقا تقليديا” في التدخل في الملفات ذات البعد الثقافي ! .

و وصل الأمر بمعلقين فرنسيين إلى حد اعتبار قبول الجزائر لرجاء الرئيس الألماني إطلاق سراح بوعلام صنصال لاعتبارات “إنسانية” أسوأ من ضربة المروحة التي تلقاها القنصل الفرنسي من “داي ” الجزائر في القرن التاسع عشر، لكن ذلك التجاهل لأي دور فرنسي كان رسالة سيادية في حد ذاته ، فقد أعادت الجزائر رسم هرم العلاقات مُسقطة وهم الامتياز التاريخي الذي كانت فرنسا تعتقد أنه ما يزال قائما… و هنا بالتحديد شعر الفرنسيون بأن الحدث تجاوز صنصال ليصل إلى جوهر المسألة : الجزائر تملك حق توجيه القرار الجزائري و هي من تحدد إيقاع التفاعل الدبلوماسي حين يتعلق الأمر بملف داخلي صرف .
وذروة الإحراج الفرنسي جاءت بعد الإفراج ، فقد خرج صنصال في أول تصريح له متحدثا بنبرة المنتصر، متوعدا بأنهم “سينتصرون”، و هي عبارة لا تنتمي لا لعالم الكتابة و لا للحالات الإنسانية ، بل لعالم المعارك.
هذا التصريح كشف أن القضية كانت أكبر من ملف قضائي، حيث كانت جزءا من مواجهة ناعمة تُختبر فيها قدرة الجزائر على حماية سرديتها الوطنية من محاولات التلاعب الخارجي، وبدا واضحا أن “الرجل” كان جزءا من معركة مدروسة لا مجرد شخص خاض تجربة قانونية .

على الضفة الأخرى عكس الغضب الشعبي في الجزائر وعيا متقدما بما يحدث ، فالمعلّقون أعادوا استحضار اسم الدكتور محمد الأمين بلغيث بوصفه النموذج المناقض تماما لصنصال، فهو مؤرخ معروف قدّم عملا وطنيا و لم يطلب حماية العواصم الأجنبية .
و جسّدت المقارنة بين الرجلين شعورا شعبيا بأن قضية صنصال استُعملت لاختبار الجبهة الداخلية لا للدفاع عن حرية الإبداع ، و زاد من قوة هذا الانطباع أن مشاهد إطلاق سراحه ترافقت داخليًا مع موجة مطالب شعبية متنامية في الجزائر تدعو إلى الإفراج عن أي سجناء رأي من المثقفين و الكتاب و الشعراء.
واعتبر جزء واسع من الرأي العام أن ما حدث يعيد فتح النقاش حول أوضاع حرية التعبير و أنه لا يمكن المرور على هذه اللحظة دون التذكير بوجود أصوات فكرية و إبداعية ما تزال خلف القضبان ، و هذه المطالب لم تُطرح بوصفها موقفًا سياسيًا ضد الدولة بل كنداء واسع يدعو إلى مبدأ المساواة في التعامل مع كل الملفات و إلى أن يشمل الافراج الجميع دون استثناء بما يعزز الثقة في المؤسسات و يؤكد أن القرار السيادي يستجيب أولًا لنبض المجتمع .
أما الفرنسيون الذين قالوا و يقولون إنهم شعروا بالإهانة لأن الرئيس تبون استجاب لطلب الرئيس الألماني متجاهلا باريس فإنهم لم يدركوا أن الإهانة الحقيقية في نظر الجزائريين كانت محاولة تحويل بلدهم إلى حقل تُدار رموزه من الخارج و أن الغضب الشعبي لم يكن موجها ضد شخص صنصال بقدر ما كان موجها ضد استغلال العاطفة لاختراق السيادة.
لقد كشفت هذه القضية بوضوح أن الحرب على السيادة لم تعد حرب جيوش ، بل حرب رموز و أن الاستعمار العاطفي اليوم أخطر من أي تدخل تقليدي لأنه يُعيد صياغة المشاعر لتصبح جسرا لإرباك الدول.
فالغرب لم يعد يضغط بالمدافع بل بالصور و القصص الإنسانية و بخطاب يخلط بين الحرية و بين استباحة قرار الدولة الوطنية، لكن الجزائر، التي دفعت ثمن استقلالها دما لا دموعا، أدركت أن المعركة هنا ليست حول كاتب ، بل حول تعريف السيادة نفسها و أن حماية الدولة لا تمر عبر القوانين فقط، بل عبر الوعي الشعبي القادر على تفكيك السرديات الخارجية.
لقد أعادت الجزائر بهذا الحدث التأكيد على قاعدة أساسية : السيادة ليست قابلة للتليين بالعاطفة و لا للتفاوض عبر الرموز ولا للتعديل استجابة لضغوط تُصنّع في الخارج … في النهاية تبقى قضية صنصال نموذجا لكيفية استغلال المشاعر لتليين القرار السيادي بين دولة تعرف معنى التاريخ و غرب يتقن صناعة الرموز الفقاعية، ويظل السؤال مفتوحا: من يملك تعريف الإنسانية و من يملك حق حماية السيادة دون أن يُتَّهم بالتصلب والتشدد؟
*كاتبة ومستشارة قانونية جزائرية وباحثة في الجيوستراتيجيا

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …