د. معن علي المقابلة*
لم يكن هجوم شاطئ بوندي في سيدني مجرد حادثة عنف عشوائي، ولا يمكن فهمه فقط بوصفه جريمة كراهية أو فعلًا إرهابيًا معزولًا. فمثل هذه الأحداث، مهما كانت إدانتها الأخلاقية والقانونية مطلقة، تفتح نافذة أوسع على شبكة الخطابات التي تُنتج العنف وتعيد تدويره—لا بالسلاح وحده، بل بالمعنى، والرمز، والقداسة.
(هنا يمكن استحضار مفهوم “العنف الرمزي” عند بيير بورديو). في قلب هذه الشبكة يظهر اسم الحاخام إيلي شلانجر، أحد منظمي احتفال “عيد الأنوار” في بوندي، والذي قُتل في الهجوم. وبينما يُقدَّم شلانجر في الخطاب الإعلامي بوصفه رجل دين مكرّسًا لخدمة مجتمعه ـ وهو توصيف صحيح جزئيًا ـ فإن اختزال دوره في هذه الصورة الإنسانية وحدها يُغفل بُعدًا أعمق: دوره كناقل لخطاب ديني–سياسي يُسهم في تديين الصراع وتحويله إلى مواجهة وجودية مغلقة، وهو ما وصفه طلال أسد بكونه تداخل الدين والسلطة في إنتاج المعنى السياسي. إيلي شلانجر لم يكن منظرًا أيديولوجيًا، ولا قائدًا سياسيًا.
كان حاخامًا ميدانيًا، يعمل في قلب المجتمع، ويحوّل الأفكار الكبرى إلى ممارسات يومية. وفي دراسات الخطاب، هؤلاء يمثّلون ما يسميه ميشيل فوكو “المثقّف الوظيفي”: فاعل لا ينتج النظرية، لكنه يطبّقها ويطبعها في الوعي الاجتماعي. من خلال مواقفه المعلنة وزياراته لجنود الجيش الإسرائيلي، كان شلانجر يُقدّم الصراع لا بوصفه قضية سياسية قابلة للنقاش، بل بوصفه واجبًا دينيًا وأخلاقيًا. هنا يتحوّل القرار السياسي إلى أمر أخلاقي مطلق، وهي آلية حلّلها كارل شميت حين تحدّث عن تحويل السياسة إلى لاهوت علماني. في كل ما نُقل عن شلانجر، يغيب الفلسطيني تمامًا.
هذا الغياب ليس تفصيلًا عابرًا، بل ما تسميه غاياتري سبيفاك “إسكات التابع”: ليس لأن التابع لا يتكلم، بل لأن الخطاب المهيمن لا يعترف بصوته. كما ينسجم هذا الغياب مع تحليل باتريك وولف للاستعمار الاستيطاني، حيث لا يكون الهدف إدارة السكّان الأصليين، بل محوهم سرديًا لأن وجودهم ذاته يُهدّد شرعية المستوطِن. من المفارقات القاسية في اللحظة الراهنة أن اليهود ـ كأفراد يعيشون في مجتمعات متعددة ـ أصبحوا أقل أمنًا في العالم، لا بسبب هويتهم الدينية، بل بسبب ربطهم القسري بمشروع سياسي واحد.
وقد نبّهت حنا آرنت مبكرًا إلى خطورة اختزال اليهودية في الدولة، معتبرة أن ذلك يحوّل اليهود في الشتات إلى “رهائن سياسيين” لسياسات لا يملكون السيطرة عليها. كما ترى جوديث بتلر أن الخلط بين اليهودية والصهيونية لا يحمي اليهود، بل يعيد إنتاج منطق العنف ويقوّض إمكان التعايش. من هذا المنظور، لا يصبح التخلي عن صهيونية الدولة تخليًا عن الهوية، بل تحريرًا لها من مشروع استيطاني مدعوم تاريخيًا من الاستعمار الغربي، كما حلّل ذلك إيلان بابِه وباتريك وولف ضمن إطار الاستعمار حين يُحوَّل الصراع السياسي إلى صراع ديني مقدّس، فإنه يُنزع من المجال التفاوضي، ويُعاد إنتاجه بوصفه صراعًا وجوديًا صفريًا. هذا ما وصفه إدوارد سعيد بـ تحويل الصراع إلى سردية مغلقة لا ترى الآخر إلا كتهديد.
في هذا السياق، يصبح هجوم بوندي جزءًا من عولمة الصراع، لا بوصفه نتيجة حتمية، بل بوصفه أثرًا جانبيًا لتديين السياسة وتسييس الدين. المفارقة التي أشار إليها فرانز فانون بوضوح حاضرة هنا: الأفراد قد يكونون أخلاقيين داخل حياتهم اليومية، لكنهم يشاركون ـ بوعي أو دونه—في بنية غير أخلاقية. إيلي شلانجر لم يكن صانع حرب، لكنه كان جزءًا من خطاب يجعل الحرب غير قابلة للمساءلة.
هجوم شاطئ بوندي يجب أن يدفعنا إلى مساءلة أعمق للخطاب، لا الاكتفاء بإدانة الفعل. لأن أخطر أشكال العنف—كما يرى فوكو ـ ليست تلك التي تُمارَس بالقوة المباشرة، بل تلك التي تُقدَّم بوصفها حقيقة أخلاقية بديهية. حين يتحوّل الدين من أفق أخلاقي مفتوح إلى أداة سيادية، يصبح العنف قابلًا للفهم، وإن ظلّ غير مبرَّر.
*كاتب وباحث وناشط سياسي اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر