انصاف سليطين*
صدر بيان لجنة «السلم الأهلي» المقرّبة من السلطة الانتقالية في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، لا يمكن فصلها عن سياقها الزمني والاجتماعي. فالبيان جاء عقب خمسة أيام من الإضراب العام السلمي الذي دعا إليه رئيس المجلس الأعلى للطائفة العلوية، فضيلة الشيخ غزال غزال، ردًا على استمرار الانتهاكات، ومحاولات فرض مظاهر الاحتفال بتسلّم السلطة، في وقتٍ لم تجف فيه دماء الضحايا، ولا تزال آلاف العائلات تعاني الفقر، والحاجة، والفصل من العمل، وحرق الممتلكات.
وقبل ذلك بخمسة عشر يوما كانت مناطق الساحل والوسط السوري قد شهدت، اعتصامًا سلميًا واسع المشاركة، احتجاجًا على القتل الطائفي، والخطف، والانتهاكات الممنهجة والمظالم المستمرة بحق أبناء الطائفة العلوية، وسط غياب أي إجراءات رادعة أو ضمانات فعلية من قبل السلطة الانتقالية. في هذا السياق، جاء لقاء لجنة «السلم الأهلي» مع الرئيس الانتقالي بوصفه استجابة متأخرة لضغط شعبي منظّم، أكثر منه مبادرة سياسية نابعة من قناعة مسبقة بضرورة المعالجة الجذرية.
بيان لخفض الضغط لا لتصحيح المسارمن حيث اللغة، صيغ البيان بنبرة هادئة وتصالحية، خالية من الاتهام المباشر، ومشبعة بمفردات «الشراكة» و«السلم الأهلي» و«طي صفحة الماضي». غير أن هذه اللغة، عند قراءتها في سياق الاعتصام والإضراب، تضع البيان في خانة خطاب الاحتواء السياسي أكثر من كونه مسارًا لتصحيح الخلل أو معالجة الجرح.
فالبيان يتجنّب توصيف ما جرى خلال العام الماضي بوصفه انتهاكات جسيمة، ولا يذكر القتل على الهوية، ولا الاعتقالات التعسفية، ولا الخطف، ولا حرق الممتلكات والمقامات، ولا يطالب بلجان تحقيق مستقلة أو آليات مساءلة. وبدل ذلك، يُعاد تقديم الأزمة على أنها مجموعة مطالب إجرائية يمكن إدارتها ضمن «الإمكانات المتاحة»، ما يحوّل معاناة جماعية إلى ملف مطلبي منزوع السياق السياسي والحقوقي.
«طي صفحة الماضي» كصيغة استجدائية
أخطر ما في البيان ليس ما ورد فيه، بل ما تمّ القفز عليه. فالدعوة إلى «طي صفحة الماضي» جاءت دون تحديد شروط هذا الطي أو مراحله، ودون اعتراف رسمي بما جرى. وفي أدبيات العدالة الانتقالية، لا يُعد طي الصفحة مدخلًا للحل، بل نتيجة لمسار يبدأ بكشف الحقيقة، والاعتراف، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.
في هذا الإطار، يبدو البيان أقرب إلى طلب تهدئة من الشارع منه إلى عرض تعاقد سياسي جديد، وهو ما يمنحه طابعًا استجدائيًا، لا من حيث النوايا بالضرورة، بل من حيث اختلال ميزان القوة بين لجنة مقرّبة من السلطة، وسلطة انتقالية تمتلك القرار والأدوات.
مع الجلسة العلنية لمحاكمة المتهمين بحملة التطهير العرقي المسماة ( احداث الساحل) محاكمة بطابع مسرحي مفرغة المضامين و مسلوبة العدالة لاستحضار الذكاء الصناعي كمتهم بديل عن المركبين، يكتمل معنى “طي صفحة الماضي “
ملف العسكريين: جوهر الأزمة المغيَّب
يتناول البيان ملف العسكريين بصيغة عامة لا تعكس حجمه ولا خطورته. فنحن أمام عشرات الآلاف من الجنود والعسكريين في الجيش السابق، المعتقلين في ظروف بالغة السوء، دون محاكمات، ودون تمكين المنظمات الدولية من الوصول إليهم أو توثيق أوضاعهم. الغالبية الساحقة من هؤلاء كانت تقاتل تنظيم داعش، فيما اعتُقل آخرون تعسفيًا على خلفية الشبهة أو الانتماء.
وتسريبات الوعد بالإفراج عن نحو ألف معتقل فقط، دون إعلان معايير واضحة، ودون تحديد مصير البقية، تطرح أسئلة جوهرية حول منطق المعالجة:
هل يُدار هذا الملف كحق قانوني أم كأداة تهدئة سياسية؟
وهل تُجزّأ الحرية وفق حسابات الظرف والضغط؟
إن تغييب هذا الملف بصيغته الحقيقية يفرغ خطاب «السلم الأهلي» من مضمونه، لأن أي سلم لا يمرّ عبر كشف مصير المعتقلين يظلّ هشًّا ومؤجَّل الانفجار.
احتواء الطائفة العلوية: من منطق الأخلاق إلى منطق المصلحة
بعيدًا عن البعد الحقوقي، تبرز مسألة احتواء الطائفة العلوية كضرورة سياسية واقتصادية في سوريا الجديدة. فهذا المكوّن يشكّل، بحكم الجغرافيا والدور، بيضة القبان في معادلة الاستقرار. فمناطق تمركزه، ولا سيما الساحل السوري، تقع في قلب مناطق الجذب الاستثماري، وهو ما يفسّر تزامن اللقاء مع التصويت الأولي في الكونغرس الأميركي على إلغاء قانون قيصر، ومع تسريبات عن اتفاقات مبدئية لشركات أميركية أبدت رغبتها في الاستثمار في حقول الغاز قبالة الساحل السوري.
إلى جانب العامل الجغرافي، يمتلك أبناء هذا المكوّن رصيدًا واسعًا من الكفاءات الإدارية والتشغيلية والعلمية والأكاديمية، وخبرات مؤسساتية تراكمت عبر عقود. وقد أظهر إقصاؤهم الواسع عن مؤسسات الدولة حجم الفراغ الإداري الذي خلّفه هذا الإقصاء، إذ تكشّفت فجوة واضحة في القدرة على الإدارة والتشغيل واتخاذ القرار، انعكست فشلًا في تحقيق أي منجز ملموس على الأرض.
بين الواقع والبروباغندا :
هذا الفشل لم يُواجَه بمراجعة جدية، بل جرى التغطية عليه عبر بروباغندا موازية سعت إلى تبييض العام الأول للسلطة الانتقالية وتلميعه إعلاميًا، رغم أن المؤشرات الفعلية — من تراجع الخدمات، واضطراب الإدارة، وتخبّط القرارات — كشفت خللًا بنيويًا في فريق الإدارة الجديد.
ختاما..
بيان لجنة «السلم الأهلي» هو بيان تهدوي، احتوائي، واستجدائي في جوهره السياسي؛ لا لأنه خاطئ لغويًا، بل لأنه يتقدّم إلى السلطة بطلب الاستقرار قبل الاعتراف، ويعالج النتائج دون الأسباب، ويؤجّل مواجهة الجرح بدل فتحه بشجاعة.
وفي ظل عامٍ لم تُكشف فيه مصائر المعتقلين، ولم تُحاسَب فيه الجهات المتورطة، ولم تُستعاد فيه الثقة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يُبنى السلم الأهلي بالبيانات، أم بالعدالة، والشفافية، والشراكة المتكافئة؟
التجارب المقارنة تؤكد أن الاستقرار الذي يُفرض قبل إنصاف الضحايا، ليس حلًا… بقدر ما هو استقرار هش مؤجل الانفجار..
*كاتبة سورية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر