الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / نتنياهو يورط ترامب في حرب عالمية ثالثة في ايران!

نتنياهو يورط ترامب في حرب عالمية ثالثة في ايران!

احمد صالح سلوم*
بين نبوءة الانهيار ووهم الهيمنة
تتشابك خطوط الطول السياسية مع دوائر العرض الاقتصادية، وتتصادم الأطياف الإيديولوجية مع كتل المصالح الصلبة، هناك تطلُّ علينا أصواتٌ تنبئُ بما لا يُحبُّ الكثيرون سماعه. إنها أصوات تشقُّ جدار الصمت الإعلامي السميك، وتُجري تشريحاً بارعاً لجسد إمبراطورية تترنح بين أوهام عظمتها الماضية وحقائق تفككها الحالي. من بين هذه الأصوات، يعلو صوت الخبير الاقتصادي العالمي، البروفيسور جيفري ساكس، ليس بصفته نذير شؤم، بل كطبيب تشريح سياسي يقرأ في سجلات التاريخ الاقتصادي والسياسي ما ينذر بزلزال جيوستراتيجي.
في مقابلة له مع “تاكر كارلسون”، لم يقدم ساكس مجرد تحليلٍ عابر، بل قدم روايةً مروعةً عن واقع العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ووصفاً دقيقاً للعتبة الخطرة التي تقف عليها البشرية. حديثه لم يكن عن صراع إقليمي محدود، بل عن شرارة يمكن أن تشعل حرباً عالمية ثالثة، تكون نواتها حرباً مع إيران. والأكثر إثارة، أنه يضع المسؤولية عن هذا المسار الانتحاري على عاتق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وصفه بأنه “الشخص الأكثر توهمًا وخطورة على وجه الكرة الأرضية”، والذي – حسب ساكس – “ورط الولايات المتحدة حتى الآن في ست حروب كارثية… لا علاقة لها بالأمن القومي الأمريكي”.
هنا في السطور التالية نسعى لنغوص في أعماق هذه المقولة، لا بوصفها اتهاماً سياسياً فحسب، بل باعتبارها نموذجاً إطارياً لفهم أزمة هيكلية تمر بها القوة المهيمنة، تُحوِّلُ الحرب من أداة سياسية عقلانية لتحقيق المصالح إلى هروبٍ إلى الأمام، ومحاولة يائسة لإثبات الذات في لحظات الانحطاط الحضاري. وسنستعين، من بعيدٍ وبصورة مجردة، بإطار نظري يحلل علاقات المركز المهيمن بالأطراف التابعة وشبه التابعة، وديناميكيات التراكم على النطاق العالمي التي تدفع نحو النزاعات العسكرية كتعويض عن الأزمات الداخلية، وهو إطار يضيء دون أن يُسمَّى.
تشريح المقولة.. من “الوكالة” إلى “الورطة”
يقول ساكس: “نحن لا نقف دفاعاً عن إسرائيل، بل نخوض حروباً بالنيابة عنها… لا شيء مما حدث في الشرق الأوسط كان من أجل مصالح الأمن القومي الأمريكي، لا شيء على الإطلاق”. هذه جملة مفصلية تحمل في طياتها ثورة على السردية التقليدية للتحالف “الاستثنائي”. فهي تقلب المعادلة رأساً على عقب: فبدلاً من أن تكون الولايات المتحدة القائدة التي تحمي حليفتها الصغرى في إقليم مضطرب، نجد أن الحليفة الصغرى – أو على الأقل قيادتها الحالية – هي من تقود القوة العظمى إلى مستنقعات لا تنتهي.
الست حروب التي يشير إليها ساكس (ومن ضمنها على الأرجح العراق 2003، والحروب الليبية والسينارية السورية المُتعددة الأطراف، والدعم المطلق للحروب على غزة) تُصوَّر في الخطاب الرسمي الأمريكي كجزء من “الحرب على الإرهاب” أو نشر الديمقراطية أو مواجهة النفوذ الإيراني. لكن ساكس يجردها من كل هذا الزخرف، ويقدمها على حقيقتها: حروب بالوكالة لصالح مشروع سياسي آخر. الورطة هنا ليست تكتيكية عابرة، بل هي بنيوية. إنها تعني أن القرار الأمريكي في منطقة حيوية استراتيجياً لم يعد مستقلاً، بل مُقيداً بإملاءات خارجية تخدم رؤية تُعتبر، حتى من قبل خبراء أمريكيين بارزين، مُتوهمة وخطراً على السلام العالمي.
وصف نتنياهو بأنه “الأكثر توهمًا” يفتح باب التحليل النفسي-السياسي. الوهم هنا قد يكون الاعتقاد بأن القوة العسكرية المطلقة قادرة على فرض حلول دائمة، أو أن الولايات المتحدة أبدية القوة والتفويض، أو أن العالم سيقف متفرجاً على أي عدوان. وهذا الوهم، عندما يكون بحوزة صاحب قرار في دولة تمتلك أسلحة نووية وتؤثر مباشرة في أقوى دولة في العالم، يتحول إلى خطر وجودي.
العدوان كعرض مرضي.. والأزمة الهيكلية للإمبراطورية
لماذا توافق الولايات المتحدة، أو يبدو أنها توافق، على أن تُورَّط بهذا الشكل؟ الإجابة البسيطة (نفوذ اللوبي) لا تكفي، رغم أنها جزء من الآلية. الإجابة الأعمق تكمن في تشخيص الأزمة الهيكلية التي تمر بها الولايات المتحدة. هنا، يمكننا استعارة منظور نظري يرى أن مراكز النظام العالمي، عندما تصل إلى مرحلة النضج والانزياح التدريجي للقوة الاقتصادية منها، قد تلجأ إلى المبالغة في الاستخدام العسكري كتعويض عن النقص الهيكلي، وكوسيلة لمحاولة إعادة إنتاج الهيمنة عبر الخوف والقوة الخام.
الحروب الخارجية، خاصة تلك التي لا تخدم مصلحة وطنية واضحة، تُشبه “الهروب إلى الأمام”. إنها محاولة لتأجيل مواجهة التناقضات الداخلية العميقة: الاستقطاب السياسي الحاد، تآكل الطبقة الوسطى، الديون الفلكية، البنية التحتية المتداعية، وتحدي القوى الصاعدة. في هذا السياق، تقدم “الحروب الصغيرة” أو المتوسطة إحساساً زائفاً بالسيطرة والقدرة على الفعل. تتحول الدولة إلى ما يشبه الفارس الذي يبحث عن معركة لإثبات فروسيته، حتى وإن كانت المعركة ضد طاحونة هواء، خشية أن يدرك هو والجميع أن الفروسية نفسها باتت طقوساً بالية.
ليس من المعقل، في المنطق السياسي الكلاسيكي، أن تخوض دولة حروباً بتكاليف باهظة من دم ومال وسمعة، من أجل شخص أجنبي. ولكن يصبح معقولاً إذا فهمنا أن هذه الحروب ليست “من أجله”، بل هي من أجل أوهام تنتاب الإمبراطورية في إحدى مراحل انحطاطها. أوهام القدرة على تشكيل العالم كله على صورتها، أوهام التفرد الأخلاقي الذي يبرر أي فعل، وأوهام أن الزمن لا يتحرك وأن عصر الهيمنة المطلقة لن ينتهي. نتنياهو هنا، في تحليل ساكس، ليس سوى المستفيد الذكي والجريء من هذه المرحلة الانتقالية الهشة للإمبراطورية، والذي يحوّل وهلها إلى وقود لمشروعه الخاص.
إيران: العتبة التي لا يُرجع بعدها
تحذير ساكس من أن حرباً مع إيران ستكون حرباً عالمية ثالثة، ويحمل إمكانية التصعيد النووي، هو تحذير جيوسياسي في غاية الدقة. إيران ليست العراق 2003 أو ليبيا 2011. إنها دولة-حضارة، ببنية مؤسسية صلبة، وتجذر إقليمي عميق، وامتدادات عبر “محور المقاومة” من اليمن إلى لبنان، وعلاقات استراتيجية مع قوتين عظميين: روسيا والصين.
الدخول في حرب شاملة مع إيران يعني:
فتح جبهات متعددة: ستشعل الحرب كل الجبهات الإقليمية التابعة لإيران، مما يعني شلّ الملاحة الدولية في مضيق هرمز والخليج العربي، وضرب البنى التحتية النفطية في الخليج، وإشعال جنوب لبنان وحتى احتمالات ضرب إسرائيل بزخّات هائلة من الصواريخ.
التورط الروسي والصيني: هذا هو لب التحذير. روسيا والصين لا تستطيعان، استراتيجياً، الوقوف مكتوفتي الأيدي أمام تدمير دولة محورية في معادلة مواجهتهما مع الغرب. الدعم سيكون عسكرياً، لوجستياً، اقتصادياً، وسياسياً على أعلى مستوى. قد لا تتدخل القوات الصينية أو الروسية مباشرة في البداية، لكن الحرب ستتحول فوراً إلى حرب بالوكالة على أعلى مستوى، حيث تدعم موسكو وبكين طهران بأسلحة متطورة ومعلومات استخباراتية، بينما تدعم واشنطن وحلفاؤها الهجوم. هذا هو بالضبط نموذج الحرب العالمية: تحالفات متشابكة، وصدام غير مباشر بين القوى العظمى على أرض طرف ثالث، مع خطر دائم للانزلاق إلى المواجهة المباشرة.
المسار النووي: في خضم مثل هذه الحرب الوجودية، ستتلاشى كل الاتفاقيات والضوابط. قد تدفع الحرب إيران لتسريع برنامجها النووي علناً بذرائع دفاعية، وقد تدفع إسرائيل، التي تمتلك السلاح النووي، لاستخدام التهديد به أو حتى استخدامه في سيناريو “الضربة الأولى” إذا شعرت بخطر وجودي. عندها، سينهار آخر حاجز، وتدخل البشرية عالماً مجهولاً.
ساكس يرى أن نتنياهو “يسعى إلى جر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة مع إيران”. هذه الرغبة، من وجهة نظر نتنياهو، قد تكون لـ”حل” المشكلة الإيرانية مرة واحدة وإلى الأبد، مستغلاً التفوق العسكري الأمريكي المتبقي. ولكن من وجهة نظر المصالح الأمريكية العليا، فإنها مقامرة كبرى بمستقبل الدولة والإقليم والعالم لصالح رؤية أحادية ضيقة.
قراءة في المسارات المستقبلية.. هل الانهيار حتمية؟
السؤال المصيري: هل ستصل هذه العلاقة المختلة إلى نقطة التوريط في حرب عالمية ثالثة؟
المسار الأول (الكارثي): يستمر الانحدار في القرار الأمريكي، وتتفاقم الأزمة الداخلية، فيتم اللجوء إلى “الحرب الكبرى” مع إيران كمشروع وطني يُفترض أنه يوحد الصفوف ويُعيد أمجاد الإمبراطورية. هذا المسار، وإن بدا جنونياً، فهو غير مستبعد في سياق تاريخي شهد حروباً نشأت من حوادث صغيرة أو أوهام قادة. ستكون هذه هي الحرب العالمية الثالثة، لكنها ستكون مختلفة: لن تكون جيوشاً تتقدم في براور، بل ضربات صاروخية ومعارك إلكترونية وحرب اقتصادية شاملة وحروب بالوكالة في كل قارة. ستكون حرب الانهيار المتسارع للنظام العالمي الحالي.
المسار الثاني (التراجعي الصعب): تستعيد المؤسسة العميقة الأمريكية (الجيش، المخابرات، قطاعات من الكونغرس والدبلوماسية) وعيها بمخاطر هذا المسار. تبدأ في فرض حدود حمراء على الحليف، والانسحاب التدريجي من سياسة “الورطة”، والبحث عن مخرج دبلوماسي حتى من الأزمات القائمة. هذا قد يؤدي إلى أزمة علاقة حادة مع إسرائيل، لكنه سينقذ الولايات المتحدة من الانهيار في حرب غير محسوبة. هذا المسار يتطلب إصلاحاً داخلياً جذرياً وشجاعة لمواجهة دوائر الوهم الداخلية والخارجية.
المسار الثالث (التحول الجيوسياسي): تستمر عملية الانزياح العالمي للقوة. تدرك الولايات المتحدة أن حرباً مع إيران تعني فعلياً الحرب مع الكتلة الأوراسية (روسيا والصين وحلفاؤهما). هذا الوعي يفرض حالة من الردع المتبادل الجديد، أشبه بحرب باردة أكثر سخونة. تصبح المنطقة ساحة للمناورة والاحتواء، ولكن مع تجنب الاصطدام المباشر. تبقى الأزمة هيكلية، لكن الكارثة مؤجلة.
في جمرة الوهم وبرودة التاريخ
تحذير جيفري ساكس هو جرس إنذار يُدق في قاعة مليئة بأصوات الموسيقى الصاخبة. إنه يذكرنا بأن القوة العظمى ليست مناعة ضد الجنون السياسي، وأن التحالفات يمكن أن تتحول إلى علاقات استتباع مرَضي، وأن الانحدار الحضاري غالباً ما يُقَاسُ بمدى ابتعاد الفعل السياسي عن المنطق والمصلحة الوطنية الواضحة، ليصبح مجرد رد فعل على أوهام وخواء داخلي.
العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية في نسختها الحالية، كما يُصورها ساكس، هي مرآة مكبرة لأزمة الهيمنة الأمريكية. الحرب مع إيران ليست مجرد احتمال إقليمي، بل هي خط التماس حيث يمكن أن ينهار نظام عالمي ويولد آخر، في أحشاء صراع قد لا يبقى فيه منتصرون بالمعنى التقليدي.
السؤال الذي يتركنا إياه ساكس، وبقوة، هو: هل تمتلك النخبة الأمريكية، والشعب الأمريكي، والإنسانية جمعاء، القدرة على استعادة العقل من سجن الوهم قبل أن يُحرق الأخير الأخضر واليابس؟ الإجابة ليست في خطاب سياسي، بل في صراع إرادات داخل بطن الإمبراطورة العجوز، وفي قرارات قد تُتخذ في أروقة البنتاغون أو الكابيتول هيل أو حتى في الشارع الأمريكي الذي يملأ تكاليف الحروب التي لا يفهمها. التاريخ لا يرحم من يهرب إلى الأمام، لأنه في النهاية، لا يوجد أمام إلا الهاوية.
*كاتب سوري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *