الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / حين سقط رهان الفوضى!

حين سقط رهان الفوضى!

د. حامد أبو العز*
عندما تُقرأ الأحداث التي شهدتها إيران خلال الفترة الحساسة الماضية قراءة متأنية، بعيدا عن العناوين السطحية والتوصيفات السريعة، يتبيّن أن ما جرى لم يكن مجرد موجة احتجاجات عابرة ولا اضطرابات اجتماعية محدودة، بل كان مواجهة مركّبة استهدفت الدولة والمجتمع معا عبر أسلوب منظم ومتعدد الأدوات، يمكن وصفه دون مبالغة بأنه حرب إرهابية أُطلقت في لحظة مدروسة، ثم أُحبطت قبل أن تحقق أهدافها الكبرى.
البداية لم تكن أمنية ولا دموية، بل اقتصادية بحتة. ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية خلق قلقا حقيقيا لدى التجار وأصحاب المهن، وهو أمر مفهوم في أي اقتصاد يواجه ضغوطا خارجية وعقوبات طويلة الأمد. خرج هؤلاء إلى الشوارع مطالبين بإجراءات تخفف عنهم وطأة التقلّبات النقدية، وكان المشهد في أيامه الأولى أقرب إلى احتجاجات مطلبية تقليدية. الأهم في تلك المرحلة أن الدولة لم تواجه هذه التحركات بالقوة، بل اختارت طريق الحوار المباشر. عُقدت اجتماعات رسمية مع ممثلي التجار، فُتحت قنوات تفاوض، قُدّمت تسهيلات خاصة، وبُحثت حلول عملية لإعادة الاستقرار إلى السوق. بين الثامن والعشرين من ديسمبر 2025 والثامن من يناير 2026، ساد مناخ تفاعلي هادئ نسبيا، ولم تشهد البلاد موجات قتل أو تخريب منظّم أو اعتداءات واسعة على الممتلكات.
غير أن هذا المسار السلمي لم يكن مقبولا لدى أطرافا كالولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا التي كانت تنتظر لحظة الانفجار. فمع تصاعد الدعوات والتحريض عبر منصات خارجية، تغيّر المشهد بصورة فجائية. في الثامن والتاسع من يناير، خرجت الأحداث عن إطارها الاقتصادي بالكامل، وانتقلت البلاد إلى مواجهة مفتوحة مع مجموعات منظّمة استخدمت العنف بأسلوب متزامن ومدروس. لم يكن الهدف التعبير عن مطالب أو الضغط لتحسين شروط معيشية، بل ضرب ركائز الاستقرار نفسها. مئات البنوك أُحرقت، مساجد تعرّضت للتدمير، ممتلكات عامة وخاصة نُهبت وأُتلفت، وشوارع كاملة تحوّلت إلى ساحات اشتباك.الأخطر من ذلك كان الاستهداف المباشر لقوات الأمن والشرطة المكلّفة بحماية المواطنين والمتظاهرين على حد سواء. فبدل أن يكونوا طرفا في قمع احتجاجات كما رُوّج خارجيا وجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة هجمات وحشية غير مسبوقة، شملت القتل بطرق مروّعة كقطع الرؤوس والحرق حيّا. هذه ليست لغة احتجاجات مدنية، بل قاموس جماعات تتقن العنف وتسعى إلى بث الرعب وشلّ الدولة عبر الصدمة.
وحين يُقال إن أكثر من 2500 شخص من المدنيين وعناصر الأمن سقطوا ضحية تلك العمليات، فإن الرقم لا يُستخدم فقط للدلالة على حجم الخسائر البشرية، بل ليكشف طبيعة المعركة نفسها. فلو كان الأمر مجرد احتجاجات داخلية، لما بلغ هذا المستوى من الدماء، ولا اتخذ طابعا متزامنا في مناطق متعددة، ولا استهدف مؤسسات مالية ودينية في وقت واحد. ما جرى كان محاولة لفتح جبهة داخلية واسعة، تُنهك الدولة، وتزرع الفوضى، وتحوّل المطالب الاقتصادية المشروعة إلى غطاء لمشروع تخريبي شامل.
هنا تتضح الصورة الكبرى. فإيران ليست دولة معزولة عن صراعات الإقليم والعالم، وهي منذ سنوات في قلب مواجهة سياسية واقتصادية مع قوى كبرى. العقوبات، الضغوط الدبلوماسية، الحملات الإعلامية، ومحاولات العزل الدولية ليست جديدة. لذلك فإن انفجار العنف بهذه الطريقة، وفي هذا التوقيت بالذات، لا يمكن فصله عن السياق العام. لقد جرى توظيف الغضب الاجتماعي الحقيقي لدى بعض الفئات، وتحويله إلى أداة ضمن صراع أوسع، تُستخدم فيه شبكات خارجية للتحريض والتنسيق وتوجيه المسار نحو التصعيد الدموي.
الدليل الأوضح على فشل هذه المحاولة ظهر سريعا. فعندما تمكّنت الدولة من احتواء الوضع، وأُنهِيَت موجة التخريب خلال فترة قصيرة نسبيا، وعادت المؤسسات إلى فرض السيطرة، بدأت في الخارج نبرة جديدة بالظهور. تهديدات أمريكية وصهيونية باستهداف إيران، وتصعيد في الخطاب السياسي، وكأن الرسالة واضحة بأن فشل المعركة في الداخل يجب أن يُعوَّض بضغوط من نوع آخر. هذا التزامن ليس بريئا، بل يعكس ترابط الساحات وتكامل الأدوات في إدارة الصراع مع الجمهورية الإسلامية.
إن ما يجعل هذه الأحداث مفصلية ليس فقط حجم العنف الذي رافقها، بل الطريقة التي انكشفت بها حدود المشروع الذي أراد تحويل إيران إلى ساحة فوضى مفتوحة. فالمجتمع، رغم الصدمة والخسائر، لم ينجرّ إلى انهيار شامل، ومؤسسات الدولة استعادت زمام المبادرة بسرعة، والفتنة التي أُريد لها أن تتوسع وتستنزف البلاد أُغلقت قبل أن تتحول إلى حرب داخلية طويلة. هذه النتيجة بحد ذاتها تشكّل رسالة هي أن محاولة ضرب الاستقرار عبر الإرهاب المنظّم، مهما تعددت جهاتها، ليست قدرا محتوما.
منذ البداية، إذا وُضعت الوقائع في خط واحد متصل، تتكشّف ملامح السيناريو بوضوح. مطالب اقتصادية جرى التعامل معها بالحوار، ثم دخول عامل خارجي حرّف المسار نحو العنف، فمحاولة إشعال الداخل عبر عمليات تخريب وقتل جماعي، ثم انتقال الضغط إلى الخارج عندما سقط الرهان على انهيار سريع من الداخل. بهذا الفهم، لا يعود الحدث مجرد أزمة اجتماعية، بل حلقة في مواجهة سياسية وأمنية أوسع، تُدار فيها الصراعات على أكثر من مستوى في آن واحد.
إن كتابة هذه الأحداث على أنها “احتجاجات” فقط، من دون التوقف عند طبيعة العنف والتنظيم والتوقيت والسياق الدولي، تُفقد الصورة معناها الحقيقي. ما جرى كان معركة على استقرار دولة، وعلى اتجاه مجتمع، وعلى موقع إيران الإقليمي والدولي الحساس. ومع أن الخسائر كانت موجعة، فإن إفشال تلك المحاولة ترك أثرا لا يقل أهمية حيث كشف حدود الرهان على الفوضى، وأظهر أن تحويل الضغوط الاقتصادية إلى حرب داخلية ليس مسارا مضمون النتائج.
وهكذا، فإن قراءة تلك الأيام لا ينبغي أن تُختزل في مشاهد الشوارع المشتعلة وحدها، بل في ما وراءها من حسابات ورسائل وصراعات. لقد كانت محاولة لفرض واقع جديد بالقوة، لكنها انتهت إلى تثبيت حقيقة معاكسة هي أن المواجهة لم تكن داخلية فحسب، وأن من وقف في وجهها لم يكن جهازا أمنيا فقط، بل دولة وشعب اختارا أن يرا ما يحدث بوصفه استهدافا وجوديا، وتعاملا معه على هذا الأساس، فأسقطا المشروع قبل أن يكتمل.
*كاتب وباحث فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *