السبت , يوليو 31 2021
أخبار عاجلة
الرئيسية / اراء / السمسرة بالوطن

السمسرة بالوطن

 

د. عبدالوهاب الروحاني

نشأت لدينا في اليمن مدرسة للسمسرة والبيع والشراء بالوطن والتفريط بقيم ومبادئ الانتماء .. لدرجة ان عفة النفس ونظافة اليد، ونزاهة اللسان، أصبحت عند رواد هذه المدرسة “بلاهة” وقلة سياسة وخبرة ..

قال أحدهم ذات مرة في مقيل مختصر كنت حاضرا فيه وهو يصف رئيسا سابقا ب” الأهبل”، بكونه لم يقم اي نوع من العلاقة مع السعودية، وقال ” الأهبل ما قدرش يدخل ويخرج مع آل سعود، وجالس ينتظر ما نحول له من الرئاسة”.

هذه المدرسة الملوثة نشأت منذ منتصف ستينات القرن الماضي حينما كانت القبائل تقاتل مع الجمهورية نهارا وتناصر الملكية ( الممولة سعوديا) ليلا، وبدأت المدرسة في النمو حتى توغل النفوذ السعودي في القرار السياسي اليمني.. وربما صادره.

إنا خير اذنابك: ‏
عُرِفَت قيادات عسكرية ومدنية كبيرة، وشخصيات اجتماعية، بارتباطها بالمال السعودي، وكانت الميزانيات تتدفق عبر “اللجنة السعودية الخاصة” بقوائم ليست سرية، وكانت متاحة، ولا تزال تنشر تباعا، وتضم اسماء قيادات كبيرة ومشايخ معروفين، وكانت قيادة الدولة على علم بها، وتشجع على اللهث ورائها.. وربما كان لها نصيب منها لا ادري..!!

‏كان ذلك معروفا وشائعا .. وكان الابتذال والتسول، والطأطأة والخنوع والتمسح قائما، لكنه كان يتم في الغرف المغلقة، فكانت القصيدة الشهيرة (الغزو من الداخل) لشاعرنا الوطني الملهم الاستاذ عبد الله البردوني، التي كتبها في نوفمبر 1973م، وقال مواجها ومقرعا أصحاب هذه المدرسة :

أمير النفط نحن يداك
نحن أحد أنيابك
ونحن القادة العطشى
إلى فضلات أكوابك
ومسؤولون في صنعاء
وفراشون في بابك

لقد جئنا نجر الشعب
في أعتاب أعتابك
ونأتي كلما تهوى
نمسح نعل حجابك

ونستجديك ألقاباً
نتوجها بألقابك
فمرنا كيفما شاءت
نوايا ليل سردابك
نعم يا سيد الأذناب
إنا خير أذنابك
‏ رحم الله الاستاذ البردوني

(2)
بين القصر والجزيرة :
اليوم التسول والتذلل والمهانة لم تعد في الغرف المغلقة، بل أصبحت على الشاشات وبإصرار غريب ومريب يؤكدون على تذللهم ومهانتهم ..!!

‏بالتأكيد تتذكرون الشيخ “حمود”، صاحب الجنبية “الصيفاني” العريضة عندما ظهر على احدى القنوات بوجه شاحب مصفر، وهو بسذاجة يدبج المديح للسعوية، ويقول متسولا ” انا خيري من السعودية مش من اليمن”، وان “المملكة هي زعيمة العالم الاسلامي شاءت او ابت، وهي من يصرف مرتبات مشايخ اليمن منذ اربعين عاما او أكثر” ؟!!

وبالامس القريب، لا شك انكم سمعتم ايضا بأحد النواب، صاحب القبع المركوز، ويدعى الشيخ عبد السلام الدهبلي، وهو يجلجل في حديث تلفزيوني، ويدافع بهمة عالية وثقة واريحية تامة عن احتلال السعودية والامارات لبلده، وانتهاكهما للسيادة الوطنية في جزيرتي (سوقطري، وميون)، على خلفية الشروع ببناء قاعدتين عسكريتين فيهما.
‏عقد النائب المحترم مقارنة غريبة ومضحكة بين الجزيرة التي يقف عليها جنود سعوديون (محتلين)، وبين القصر الذي يسكنه الرئيس هادي (محتجزا) في الرياض، فقال بالنص:

“جزيرة مايو (يقصد ميون) 13 كيلو متر، والقصر الذي يسكن به رئيس الجمهورية قصر الملك سعود بالرياض 20 كيلو متر .. يسكن به الرئيس اليمني داخل الرياض، واجي أحاسب الرئيس ليش قبِلَ ب 50 عسكري سعودي داخل مايو (طبعا يقصد جزيرة ميون) .. يا اخي الرجال معه عشرين كيلو متر داخل ال ذه.. ” .!!

لاحظوا الاخ النائب يقول ان الرئيس “معه عشرين كيلو داخل ال ذه” .. يعني فوق هذا “قدوه بطرة” .. قصر يسكن فيه الرئيس في الرياض، وميزانيات للرئيس، وسكن ومرتبات للوزراء، والنواب، وميزانيات شهرية، وبمقابل 13 كيلو في جزيرة “مايو” – كما يسميها..!!!

وواضح من نص الحديث ان الجزيرة او الاثنتين او الثلاث، او حتى اليمن بكامله ليست شئيا مقابل هذه العطايا والهبات والنعمة، و”النغنغة” التي يعيش فيها الرئيس، ومن معه، كما يريد النائب الدهبلي افهام مستمعيه او ناخبيه، الذين اقترعوا له قبل 18 عاما، فهو ممثل للأمة..!!

(3)
دولهم واشجارنا :
التسول وظيفة متوارثة، ‏وعندما يبلغ السقوط مداه يمكنك ايضا ان تسمع الكثير ، وللاسف ظهر مؤخرا رئيس مجلس نواب “الشتات” الشيخ سلطان البركاني وهو بحماس يشنع بوطن تعود حضارته لاكثر من أربعة الاف سنة، ويقول بأن”اليمن هي الحديقة الخلفية للسعودية ودول الخليج” التي لا يبلغ عمر بعضها عمر اصغر شجرة من اشجارنا التي يهربونها من الجزر اليمنية.. !!

على المستوى الشخصي، حاولت البحث عن عذر للاخ البركاني، فهو شخصية عامة، ويقدم نفسه ممثلا للسلطة التشريعية، وقلت (ربما) هي زلة لسان، لكنه بعد ثباته على “حديقته الخلفية” لم تكن زلة لسان، بقدر ما كانت تأكيد اثبات ولاء وارتهان على حساب بلد أصيل وعريق كاليمن؛ فهل يمكن ان نسمع بتعريض واهانة اشد ايلاما من هذا؟!
ومن هنا، لماذا لم نسمع صوتا عمليا (اجرائيا) للنواب (المعمرين) المحترمين .. يوقف هؤلاء عند حدهم.. يعلمونهم ان اليمن بلد أصيل وموطن ذات سيادة، وشعب له شهامة وكرامة، ولا يمكن ان يقبل بان يكون حديقة خلفية لا لسعودية ولا لغيرها، ولا يمكن له ان يقايض سيادته بمعاشات للمشايخ والنواب، والوزراء او بقصر للرئيس.

كفاكم عبثا، وكفاكم تفريطا وابتذالا.. اليمن حضارة وتاريخ، وشعب حي ومنتج ولا يقبل اان يكون ملحقا بأحد ..
‏اليمن بلد فقير نعم،
يعاني من التشتت والضياع نعم،
ويعاني من الحروب والنكبات نعم،
لكنه وطن كريم يسكن قلوب 30 مليون يمني، يعز عليهم وطنهم .. ولن يقبلوا ان تدنسه السنة المتسولين ولا اقدام المحتلين .. ثم لا تنسوا انكم ومن على طريقكم السبب في جوعه ونكباته وضياعه..

(4)
تفريط متوارث:
هؤلاء الباعة الجدد هم امتداد لمدرسة السمسرة الملوثة اياها، فهم نشأوا عليها وتوارثوها شمالا وجنوبا.. والسعودية ودول الخليج استمرأت المسألة واستسهلتها وكانت كذلك..

• مقابل اقامات دائمة، وميزانيات لهم ولاسرهم في الامارات، يقدم قادة جنوبيون اعلام الامارات وصور قادتها على اعلام بلدهم وقضيتهم (إن كانت لهم قضية)، ومنهم من قدم ولاءه للامارات على ولائه لوطنه وهو ما فعله هاني بن بريك وصاحبه عيدروس الزبيدي.

• اغلب قادة البلاد والهاربين قديما وحديثا (ملكيين وجمهوريين، سلاطين وأمراء ورفاق) من الشمال والجنوب، وشخصيات اجتماعية، وسياسية، كانوا ولا يزالوا يمرون عبر بوابة الرياض، وكانوا ولايزالوا هم ادوات اشعال الحرائق، وهم من ادرج اليمن تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة، ليضعوا اليمن تحت الحرب والنار.

• قادة يمنيون مدنيون وعسكريون، كانوا يتحكمون بالقرار السياسي، ودولة الوحدة في ايديهم يعبثون بها كما يريدون، فتآمروا على وطنهم وعلى حلفائهم واقرب الناس اليهم، وذهبوا يتسولون من السعودية والامارات اموالا ومناصب، ويبحثون عن ادوار تتصدقان بها عليهم.

يا هؤلاء،
عندما يرتضي المرء لنفسه التحلل والمهانة مقابل حفنة من المال، فالبيع والشراء بالاوطان يصبح ادمانا، والترزق والمتاجرة باسمها تصبح وظيفة مقززة تسقط معها كل قيم واخلاقيات الانتماء..

يا هؤلاء.. ان كنتم ومن معكم قد ادمنتم (وقد ادمنتم فعلا) على مواصلة هذه المهنة فواصلوا، ولكن على الاقل استتروا بقليل من الحياء والخجل..!!

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

أمريكا.. تكريس للاحتلال بعناوين مخادعة

  الدكتورة /حسناء الحسين* على الرغم من اعلان الولايات المتحدة الامريكية تبني ادارتها برئاسة جو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *